المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البردوني في حوار الوحدة والحرب والفن


حبريافع
09-04-2009, 10:14 PM
البردوني في حوار الوحدة والحرب والفن ينشر لأول مرة: كانت (عدن )بالنسبة إلى اليمن والجزيرة والخليج مثل باريس في الغرب والقاهرة في الشرق

ارجو من الاخوه في الادارة بتثبيت الموضوع لاهميته لكي يطلع عليه اكبر قدر من الزوار والاعضاء

الخميس , 13 نوفمبر 2008

* لا يستطيع أحد القول بأن حرب 94 انتهت ما دامت آثارها قائمة
* كل وحدة مُهيأة للانفصال، ووحدتنا منفصلة لأنها قامت على الإلغاء
* اعتاد الشمالي فتح البلدان وتدويخها، وأن يحكم باسم اليمن كله
* المؤتمر (الشعبي) مجرد لملمة، ناس ينفعوا للمظاهرات والزامل، لا للسياسة الخلاقة
* لا توجد تعددية حزبية، وإذا وُجدت أحزاب فإنها بلا قوة سياسية
* الأحزاب التي تعددت لم تبد كذلك عندما أعلن (الرئيس)علي عبد الله صالح الحرب
* الاشتراكي حزب حقيقي، لكن تعصبه حوّل شاعراً طبلاً إلى نابغة


بعض اللحظات الحرجة إذ تستدعى تجيء محمولة بشعور عذب، تماماً كما تفعل السنون في الحزن على أحبة رحلوا، وحين تكون «اللحظة الحرجة» في حضرة عبد الله البردوني تعلن العذوبة عن نفسها في هيئة ابتسامة عريضة!

كنت قد أعددت جيداً لمحاورته محدداً المحاور وفيها أسئلة مصاغة وكلمات مفاتيح، وذهبت اليه مطمئناً إلى أنني أوفيت بوعد قطعته له بأن تكون الاسئلة غير نمطية واستثنائية حسبما اشترط.
كان ينتظرني أعلى السلم أمام غرفته في الدور الثاني من منزله الذي أمضى فيه السنوات الأخيرة من عمره. صافح ورحب. وقبل أن يتفضل بدعوتي إلى الجلوس باغتني أنا المقيم في سباتي الهني، القادم من حصن المعارضة المنيع, بسؤال جاء مموهاًَ في مظهره عارياً في مخبره: هل تضمن لي أنك جئت وحدك؟

كان يعرف انني جئت وحيداً ممثلاً لصحيفة معارضة هي «الوحدوي»، وقد استجبت للتحدي الماثل قائلاً: أضمن لك ذلك منذ مغادرتي الصحيفة حتى ركوب التاكسي الذي أقلني إلى منزلك, بعدها لا أضمن شيئاً!
تعمدت قول ذلك بنبرة هازئة، لتمويه صدمة السؤال، لكن الاحتدام المكتوم في كلامي لم يكن ليراوغ الذي «يرى بسمعه» فإذا هو يتعمد التبسط في الحديث معي بادئاً، بما فهمت أنا أنه اعتذار ضمني، بالإشارة إلى حالة الحصار المفروضة عليه اعلامياً بحيث لا يكاد صحفي يصل إليه إلا بعد أن يكون مرَّ بمرحلة «فلترة» لدى جهات معنية!

دعاني إلى الجلوس في حجرته الصغيرة التي تصور البعض أن جدرانها هي حدود عالمه الطبيعي والابداعي معاً. وأضاف بنغمة يفوح منها السرور أنه أدلى صباح اليوم بحديث إلى فريق من الـــ b.b.c من وراء «الجماعة» (كان يفترض أنني أعرف من يقصد بالجماعة)، وزاد وكلماته الشامته تسابق قهقهته الشهيرة:« سيباغتون حين يبث الحديث».
نشر الحوار على حلقتين في صحيفة «الوحدوي» في 21 و28 إبريل 1998. وبعد نشر الحلقة الثانية، اتصلت به لغرض الكتابة للصحيفة، وقد سألته عن أصداء الحوار، وفيما يشبه تحوط «رجل في حالة حصار» أبدى عدم ارتياحه للعناوين الإبرازية المثيرة التي صاحبت النشر بدءاَ من مانشتات الصفحة الأولى.فبادلته اللعب بتذكيره بأن كل العناوين الضاجة مختارة مما قاله. فاستدرك قائلاً: الصحفي الجيد هو من يفعل ذلك.

وقد عرفت منه، ومن آخرين، أن مسؤولين رفيعين هاتفوه مغاضبين فور نشر الحلقة الأولى. وكنت أدرك أن الغضب مما قاله ليس سوى محطة في سياق غضب ممتد عليه جراء آرائه الانشقاقية بشأن الوحدة والديمقراطية والحكم.

بروحية شاعر استثنائي يستعصي على التنميطات الوحدوية والانفصالية الرائجة هذه الأيام, يواصل البردوني توجيه ضرباته المباغتة، حتى بعد 9 سنوات منه رحيله.
وفي هذا الحوار غير المنشور، الذي حصلت «النداء» على نسخة منه قبل شهور، يؤكد الرائي على «ثوابته» التي أعلنها قبيل قيام الوحدة اليمنية بأشهر وبعد الحرب. فالوحدة التي أراد خطأ، والحرب خطيئة، والتعددية الحزبية خرافة، وحرية التعبير وهم، والنظام السياسي رئاسي أوتوقراطي.

في 14 فبراير 1995, أي بعد 7 أشهر من انتهاء حرب صيف94، التقى الزميل رشاد ثابت الشاعر البردوني في منزله، وحاوره في الفن والأدب والسياسة.
سنتذاك كانت العتمة هي المتوَّجة بظلال الحرب ودخان القذائف، ولم يجد الحوار طريقة إلى النشر. وإذ تنشر «النداء» مقتطفات منه، لتلفت الانتباه إلى أن البردوني عبَّر غير مرة عن المواقف ذاتها حيال الوحدة والحرب والحكم. وقد استمعت منه في لقائين لآرائه في الوحدة والحرب، ومنها استهجانه موقف النخب السياسية من حرب 94، إذ قال: «هل أحد يرضى باقتلاع الجنوب... لو كانت الأحزاب حقيقية لما فُرض عليها ذلك»، و «اليمن شعب واحد، لكن ماعرفنا (يوماً) دولة واحدة»، و«الانفصال قائم مادام هناك غالب ومغلوب، ويمن محكوم بفرد».

قال ذلك وأكثر منه، وبحساسية الفنان الذي كانه، وبعينيْ «وحدوي» حقيقي رأس أول كيان مدني وحدوي يمني (إتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين)، تنبأ بعدم امكانية استمرار الحالة التي أفرزتها الحرب، وقال: «انتظروا ما سوف يحدث».


*سامي غالب



* حوار: رشاد ثابت
> جنوبيون في صنعاء شماليون في عدن
يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن
هذه الأبيات أستاذ عبد الله، من إحدى قصائدك، هل ما زالت تتمتع بفاعلية في مدلولها على صعيد الواقع، أم أن لها دلالة ضمنية الآن كيف؟
- القصيدة ما زالت قضيتها قائمة، وما يزال الجنوب جنوباً والشمال شمالاً، وما زال جنوبي في صنعاء شمالي في عدن. الظواهر كلها كما كانت، لأنه لم تحدث تغيرات ثقافية وتغيرات اقتصادية واجتماعية فتحل مفهوماً مكان مفهوم. ظلت المفاهيم القائمة قائمة. ليس عيباً أن يكون هذا جنوبيا وهذا شماليا، ليست المسألة الجهة أو الانتماء لأي جهة، المسألة: الإنسان، الذي يقدر أن ينفع في الشمال وينفع في الجنوب، وإذا كان أنفع في الجنوب يا حيا الله. كل ما يحدث من خير لشطر فهو في صالح الشطر الثاني. القضية ما زالت قائمة، وقائمة على أشدها، ولا بد أن الحرب أججتها وفجرت لها أبعاداً بعيدة وأغواراً لا أحد كان يظن أنه سيصل إليها، لأنه لم يسبق أن قامت حرب بين الشطرين، ولا سبق أن حدث هذا الهجوم الكاسح الذي يتكون من نصف مليون بما فيه الدبابات والطائرات والمدافع والصواريخ.
> ولكن وقعت حربان في عام 1972 و1979!
- لا. كانت هذه حركات حدودية ما تجاوزتها، لكن هذه (حرب 94)وصلت إلى أعماق العاصمة عدن والمكلا. لأن الجماعة الذين في عدن (لم يحسنوا تقدير) موقف هؤلاء ومقدار قوتهم وماذا أعدوا للحرب. (الرئيس وحلفاؤه) أعدُّوا لحرب كبرى، وهم (الاشتراكي) ما أعدوا لحرب كبرى وقوتهم صغيرة وقسموها قسمين، في عدن والمكلا، وكان ينبغي المحافظة على العاصمة بكل ما هناك من قوة، والمكلا تبقى طالما العاصمة باقية. أهم شيء في السياسة أن تبقى العاصمة. وبعدها كل إقليم سيلحق بعاصمته. لكن كانوا يظنون أن القتال على البترول وكانوا يتصورون أن علي عبد الله صالح سوف يصل إلى المسيلة حيث آبار النفط ويتوقف. لا، الرجل كان يعدُّ لحرب كاملة، وكان ينبغي أن يعرفوا، لا أدري، هم ما عرفوا أو أنهم ما قدروا أو أنهم تصوروا الحرب تصوراً، ما رأوها من علوم حربية: يعرف موقف العدو، كم قوته، ما مدى نجاح استخباراته... هذه مسألة ضرورية للمتحاربين، وإلا سيكون غالبا ومغلوبا إذا لم يكن (هناك) تكافؤ في المعرفة. أتصور لو أن القوة الجنوبية احتفظت بعدن وما يتصل بها، كالضالع والعند، لكانوا انتصروا، وحتى يأخذوا المكلا، يأخذونها مدة، أيام، لأنها ليست عاصمة. إنما هو احتلال أرض، وإذا احُتُلّت أرضك وأنت صاحب عاصمة في الإقليم يمكنك تسترجعها بالاحتجاجات الدولية وبالمرافعات إلى مجلس الأمن بواسطة الجامعة العربية... كله كان يمكن أن يعود إلى أهله لو احتفظوا بعدن، لكن سقوط العاصمة أبقى البلد ليس فيه من يقول هذه بلادي!!

> أستاذ عبد الله، هل نقول إن الشعر كان بوابة ومتنفساً ووسيلة تعبيرية وحيدة، وخاصة الشعر الغنائي الأكثر تأثيراً وسماعاً منذ قيام الثورتين، سبتمبر وأكتوبر، في ظل شمولية النظامين السابقين ومنع حرية التعبير؟
- لا. الشعر وقع تحت الرقابة وتحت سلطة الرقيب سوى كان مقروءاً في ورق أو مسجلاً أو مذاعاً. الشعر كان يعاني من القمع كما تعاني الكتابات النثرية والتحقيقات الصحفية والأحاديث المجالسية أحياناً. الشعر كافح. وإلى جانب أنه كافح، فإنه حقق غاية وجوده وغاية المحافظة على قيمته في الصدق، في الصراحة، في الإيماءات المعرفية, في التهجم على القوى الظالمة... هكذا.

> يرى البعض عبد الله البردوني شاعراً أكثر منه باحثاًَ وكاتباً وأديباً وسياسياً، ما تعليقك؟
- للناس آراؤهم وهم المسؤولون عنها، وأنا أكتب الذي أرى حاجة إليه، وأنا مسؤول عما كتبته. فعلاً هناك من يقول في كتاباته لا يعتمد على المراجع العلمية ولا يشير إلى المراجع، لكن هذا غير صحيح. أنا لا أشير إلى المراجع في هامش ولكن أورد نصوص المراجع في سياق الكتاب، وأقول قال المؤلف الفلاني في كتابه كذا وكذا وأسرد كذا وكذا جملة، أو أقول قال الشاعر في ديوانه في قصيدته الفلانية وأورد كذا وكذا من القصيدة. كل كتاب كتبته تجده مليئا بالتقويسات بالنصوص بأسماء الكتب بمؤلفي الكتب، بل ومتى صدر الكتاب هذا، وفي أي مطبعة؛ لأن طباعة المطبعة تختلف عن إعادة طباعته في مطبعة أخرى. ولهذا كنت حريصاً على مراجع كل كتاب كتبته، إلا أنني لا أهمش المراجع كما يفعل الناس في الرسائل الجامعية الطلابية وفي رسائل الدكتوراه، لأن الدكتوراه والماجستير هي عبارة عن دراية للأستاذ أين وصل الطالب وهل تواتيه طبيعة البحث وهل امتلك ناصية البحث، بحيث يمكن أن يتابعه في مراجعه العامة والخاصة. الماجستير والدكتوراه ما تزال نوعاً من الامتحان، لكن الكتابة في غير هذا لا بد للواحد أن يكون أكثر حرية. وبعد، فإني ألاحظ الذين يقولون إن كتابتي غير علمية أو أكاديمية ألاحظ الأكاديميين يقرأونها بشغف. ولاحظت أنه لم يصدر كتاب في الثمانينيات إلا وأهم مراجعه "رحلة في الشعر اليمني" و"قضايا يمنية" و"اليمن الجمهوري". كل كتاب صدر بعد 1983 إلا وهذه كلها مراجع وإشارة إلى مجلات وإلى بحث في مجلة أو صحيفة أو حتى أحياناً استجواب صحفي.

> بعد أن وضعت الحرب العسكرية أوزارها وما أفرزته من وضع سياسي، كيف ترى مستقبل اليمن؟
- هو في الحقيقة لا يستطيع الواحد يقول إن الحرب انتهت، ما دامت آثارها قائمة وما دامت تداعياتها تتوالد، فالواحد (يمكن أن) يقول إن الحرب هدأت واختبأت من ظهر الأرض إلى باطن الأرض وأنها قابلة للانبعاث في أي فترة وعلى أي داعٍ من الدواعي.

> كيف ترى التمسك بالخيار الديمقراطي؟
- ما في تمسك ولا في ديمقراطية ولا في وحدة الآن. هناك حاكم واحد مفروض على الشطرين لكن ليس هناك وحدة، لأن الوحدة يجب أن تقوم بين فريقين: فريق يمثل جانباً وفريق يمثل جانباً (آخر)، ولا بد أن تقوم الوحدة من اثنين توحدا، لأنهم قالوا "يمن واحد"، قلنا إذا كان يمناً واحداً فكيف توحدوا؟ الواحد لا يتوحد وإنما يتوحد الاثنان.

> من وجهة نظرك ما هي أبرز مصاعب وإشكالات دولة الوحدة منذ قيامها والتي أدت وأفضت بها إلى الاحتراب والتدمير وإعلان الانفصال بين صناعها الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام؟

- ألقيت محاضرة قبل قيام الوحدة بأربعة أشهر في نادي الصحفيين في التواهي، وقلت إن كل المشاكل ستنبعث الآن من جديد، لأن الاقتراب والازدحام على المصالح هو الذي سوف يثير الحساسيات. كان (فيما مضى) هذا يعرف أنه شمالي وهذا عارف أنه جنوبي، لكن عندما توصل هذه القضية إلى زحام منفعة وإلى وصولية وظيفية لا بد أن ترتبك المفاهيم، يحدث بين أبناء المدينة الواحدة، بين أبناء المدرسة الواحدة، لأن هذا موضع الانتفاع، كل واحد يريد أكثر من الآخر، وكل يريد أن ينال ما لا يناله غيره، وكل يريد أن يصل إلى ما وصل من هو أكبر وأكفأ منه. هذه كلها توجد في الدواوين الوظائفية أو في المتاجر أو في أي مكان، لأن الاختلاف والاشتباك من طبيعة الخُلطة، الخُلطة لا بد أن تؤدي إلى عداوات وإلى منافسات، لكن فهمها والدراية بالعداوات (ضروري). يجب أن يكون هناك عداوة لأنها من طبيعة الاختلاط، ولكن لا بد أن يكون هناك شرف العداوة، يعني إذا عادى لا يبلغ المنتهي في الإساءة إلى عدوه أو يستغل به الفرص أو يهاجمه في حالة ضعفه، هذا في حالة المفهوم الإنساني وليس المفهوم السياسي. قلت لهم: لا بد أن تحصل مشاكل، قد يكون أهونها قيام حرب. وقالوا: ليش تقول كذا؟ وضاقت السلطة هنا وضاقت هناك، ولكن ما كادت تمر ستة شهور حتى قالوا صدق البردوني.

> حديثك يوحي بأنه ليس هناك أمان أو مأمن على دولة الوحدة، خاصةً وأنها تجاوزت أصعب اختبار لها؟

- كل وحدة مهيأة للانفصال كيفما كانت. أما وحدتنا فهي منفصلة من يوم قامت، لأن كل فريق كان ينوي إلغاء الفريق الآخر بهذه الطريقة أو بتلك. كان الجنوب واثقاً أن عنده حزب، عنده سياسة منظمة، وعنده (أجهزة) استخبارية منظمة، وأن علي عبد الله صالح "قبيلي" ما عنده من الرؤية السياسية ولا عنده ما يمكن أن يحمي به نفسه ويضر به غيره، لا أكثر من هذا. كانوا يريدون أن ينحوه من السياسة الكبرى أو من زحام السياسة (بحيث) يكون رئيساً رمزياً. هو عرف الوثيقة التي اشتهرت أنه لن يكون إلا رئيسا رمزيا، وأن الحكم الداخلي في يد علي سالم البيض، وهو رئيس جمهورية وذاك نائبه، والقضية كانت كلها زحزحته من المناصب المباشرة وأن يجعلونه رمزا. لكن تلك الوثيقة ظلت كما هي وظل كل واحد يشتغل من خارجها بالطريقة التي تتيسر له ويحس أنه أقدر فيها من غيره.

> تعتقد أن الوثيقة برنامج سياسي لدولة الوحدة أفضل بكثير من تصورات الحزبين الحاكمين حينها؟

- نعم. ولهذا كانت مقبولة. كانت معالجة للأخطاء التي كونتها الوحدة. وبعدها عندما دخلوا الوحدة عرفوا ماذا يريدون لكي تبقى الوحدة، فكانت الوثيقة أشبه بملتقى الآراء، كيف تكون الوحدة، لكان مقبولاً لو أنهم نظروا إلى البلد. الذين كتبوا له الوثيقة، مثلاَ كانوا يعرفون أن قادة المعسكرات من أقارب الرئيس، طيب الوثيقة تقول ما يكون القائد العسكري إلا مدة عامين؛ لهم الآن خمسة عشر عاما وهم قادة وما احد قادر يزحزحهم، فشافوا الذي يكون، لكن كيفية كونه لا ما أحد فكر فيها.

> قلت إن كل وحدة قابلة للانفصال، لكن وحدتنا من أساسها منفصلة، كيف؟

- يعني ما كان هناك ضوابط مشتركة، ما كان هناك حس مشترك، ما كان هناك تعاون على تجاوز السيئ إلى الأفضل أو تجاوز الكائن إلى الممكن، ثم تجاوز الممكن إلى المستحيل أو الذي كان مستحيلا. لكن هذه الوحدة عندما قامت كان كل واحد من الجانبين شاعر بفرديته وتميزه على الآخر. هذا يقول تميزي لأني سياسي وهذا يقول تميزي لأني شمالي. والشمالي متعود أن يفتتح البلدان ويدوخها، يعتاد أن يهاجمها حربياً، يعتاد أن يظل حاكماً بشكل أو بآخر. تكاد أن تكون الشمالية أو ما نسميها الهضاب من يريم إلى صعدة إلى كوكبان إلى حجة، بلاد جعلت من المناطق السفلى، اليمن الأسفل، تعز وإلى أطراف الجنوب، وترى أنها أحق بحكم هذا المكان، وأنها ما خلقت إلا لتحكمها، وأن كل ما فعلته لهذه المنطقة (هو) لليمن كله وباسم اليمن كله، سواءُ كان موافقا على هذا السوء أم غير موافق. وهذا يشبه المارونية في لبنان، الموارنة في لبنان بدأوا يسقطون من كونهم حكاما فقط. هؤلاء المارونيون إذا تكلموا عن مصالحهم أو عن مذهبهم فيروا أنهم معبرون عن لبنان كله. يسمون قواتهم المسلحة "القوات اللبنانية"، يسمون كتائبهم "الكتائب اللبنانية"، وكأنهم هم لبنان. في كل شعب من الشعوب منطقة تكون لها سيطرة أكثر، مثل العلويين في سوريا. وهذه الحساسية تكاد تكون غير موجودة في مصر، لأن مصر بلد جمعها نهر، وكلهم اضطروا أن يكونوا مجتمعين حوله، بفضل هذه الرابطة الإنسانية الانتفاعية كانت مصر موحدة وما في هناك مكان أو منطقة تشعر أنها الأحق تحكم الثانية ترى أن الحكم هو كفاءة وليس مناطقي.

> كيف ترى أو يجب أن يكون نموذج دولة الوحدة؟

- أقول لا بد أن يشعر المتحدون أن هناك حاجة إلى وحدتهم في دولة واحدة. أولاً، يعرفوا أن هناك حاجة. ثانياً، يعرفوا أنه بتجمعهم وتعاونهم سيخلقون بلاداً أفضل (أي) لكي تكون اليمن بعد الوحدة أفضل منها قبل الوحدة. ثالثاً أن يكون هناك حس أننا كلنا شركاء في خلق بلاد أكثر رخاءَ وأكثر علماً وأكثر ثقافة، ويكون هذا شعور في النفس يحسه كل واحد أنه حاجته الخاصة، إذا تحققت هذه الأحاسيس فكل واحد سيحمي هذه الوحدة بحيث أنه لا ينتوي أحد أن يلغي الآخر. فالوحدة كان ينبغي أن تكون أُخوة مطلقة، وأن ينتقلوا مما كانوا عليه إلى ما هو أفضل (بحيث) ينسى أنه هذا كان حاكما في عدن وهذا حاكما بصنعاء، الآن هم حاكمون لليمن كله، وأن عليهم مسؤوليات وأن لهم حقوقا وواجبات، فإذا اتحدوا بنية خلق يمن أفضل وسياسة أحسن فهذا هو الذي كان ينبغي. لكن ما أحد كان عنده هذا التصور؛ أن الوحدة اشتراك في الأمر والاشتراك معناه التعاون والتضافر على كل شيء. لو سادت التعاونية والتضافر كان ممكناً أن يخلقوا وحدة أفضل تخلقها وتوجبها المصالح المشتركة والمكاسب التي يشاهدها الشعب رأي العين. لكن عندما توحدوا تضخم الجهاز تضخم، تضخم حتى أصبحت الدولة رأساً كبيرا على عنق نحيل (ضاحكاً).
الحقيقة أن الوحدة كانت مأساة، وأن المرء يلاحظها من اليوم الثاني، ما أحد مثلاَ شعر حساسية الصنعائي نحو الريف، حتى الريف في الشمال. الصنعائي عنده حساسية أن صنعاء صنعاء وأن كل الوافدين عليها طرأوا (عليها)، وأنهم تلقوهم قهراً وأنهم اختلطوا بهم قهراً، ويعتبروا نفوسهم أنهم أحق بالأمر. وطبعاً إلى جانب صنعاء ما حول صنعاء شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. فهذه الحاسة ما يميتها إلا ثقافة كبرى وتعلم أكبر ومفهوم للسياسة أجود وحس بالمسؤولية: كيف يخدم بلده؟ وكيف يطور أوضاعه؟ وكيف يومه أحسن من أمسه وغده أحسن من يومه؟ وهكذا يعني هناك زعامة حقيقة. الزعامة الحقيقية ما تجسدت في أي شخص ولا في أي حزب.

> من خلال تجربة النظامين الشطريين السابقين ما أبرز إيجابياتهما وسلبياتهما؟ وما هي الأفضليات التي يجب أن تسود وتعمم في دولة الوحدة بدلاً من إشاعة الفوضى والفساد؟

- أنا في الحقيقة قد أومأت إلى هذا، وهو الشعور بالتعاون، وأنهم مسؤولون أن يخلقوا مجتمعاً أفضل. هذا لم يوجد. فكيف يمكن أن يوجد؟ وجوده يضمن بقاء دولة واحدة، عدمه يفصل الدولة إذا ظل كل واحد كما كان عند أمه وفي السلطة يستغلها كبستان أو كمزرعة أو كمتجر. لا. هذا في الحقيقة ما يجب أن يكون له من الوحدة إلا نصيب مثل أحد المواطنين، له امتياز الحكم، له امتياز أنه رئيس، له امتياز أنه نائب رئيس، له مميزات أنه مدير، له مميزات أنه رئيس وزراء، هذه حقوق له من حقه؛ لكن من واجبه أن يجعل هذه الثقة في محلها، وأن يكون عاملا في كل تحركه وسكناته من أجل الكل.

> لكن أريد أن أقول لك ما هي أفضل الإيجابيات التي كانت في النظام السابق في المحافظات الشمالية أو الجنوبية؟

- كل ما كان كان سيئا. ما في ولا مزية أبداً. من يوم ما توحدوا إلى أن انفصلوا.
> من قيام الثورة حتى يوم الوحدة ما أفضل الإيجابيات التي كانت موجودة في الشمال أو في الجنوب والتي يفترض أن تعمم في دولة الوحدة؟

- الذي كان موجودا قبل الوحدة هو الذي ساد بعد الوحدة. ليس هناك تغيير أبداً. كل واحد دخل الوحدة بشعور الفردية وبشعور الإقليم.

> هل ترى أن الثورة اليمنية، بشقيها: سبتمبر وأكتوبر، وما رفعته من أهداف تحررية عظيمة وما ناضلت وضحّت من أجله الحركة الوطنية اليمنية... هل ترى أن الثورة اليمنية حققت تلك الأهداف والغايات النبيلة؟

- لا، أبداً. ما حققت أي غاية نبيلة ولا حققت أي هدف، لأنها كانت تنقل مشاكل العهد البائد إلى العهد الحاضر إلى جانب ما تجدده وتستجد من مشاكل وأزمات. كانت الدولة تركم المشكلة فوق المشكلة والمأساة فوق المأساة والأزمة فوق الأزمة، وما كان عندها شعور (بأهمية) الحل من أول أزمة، فإذا جاءت الأزمة الثانية تكون وسائل حلها موجودة. ظلت المشاكل تتصل بالمشاكل. عندنا في صنعاء مثلا مجاري المياه لها تقريباً ست سنوات وهي تسد طريق المطار وتنشر للناس الروائح والذباب والأوبئة، وما أحد قال إنه في رئيس دولة. الحقيقة ما نقول إن الحكم عندنا حكومي، الحكم عندنا رئاسي مثل ما هو ملكي في السعودية وكما هو أميري في الإمارات، مثل ما هو رئاسي في مصر. الحكم عندنا ما هو حكومي أبداً. مثلاً يقولون فلان رئيس وزراء، رئيس الوزراء مجرد كاتب عند الرئيس، الحكومة كلها رئاسية، وليست الرئاسة مجرد رمز يسود والحكومة قوة تنفذ. لا، القوة التنفيذية والقوة السيادية هي للرئاسة.

> لكن في نظام الجنوب...؟

- في نظام الجنوب كانت هناك حزبية تكاد تكون مغطية. بدل الذاتية التي كانت قائمة على أسوأ حال في صنعاء كانت هناك الحزبية بلا تدبر، بلا تأمل.

> رغم تعقد البنية الاجتماعية في الواقع اليمني وموروثات الماضي السلبية وبروز النزعات القبلية والمناطقية وغيرها، هل يمكن الانتصار لقضية الديمقراطية في الواقع اليمني وما ترفعه الدولة من شعار منذ قيام دولة الوحدة؟

- ممكن، لأن المناطقية أو النزوع القبلي لا أحد يخلو منه في أي مكان من أمكنة العالم حتى في باريس بلاد الحرية. ما احد يمنع إنسانا (من أن) يكون ديمقراطيا ويكون عدنيا، يكون ديمقراطيا وصنعانيا، لأن كل واحد نشأ في منطقة، وكل واحد حوله جهات جنوبية وشمالية وشرقية وغربية. لا بد من أن يحس الواحد بأنه قريب من صنعاء أقرب إلى عدن مثلاً. ذاك من عدن أقرب إلى عدن أو أقرب إلى صنعاء، في مسألة قريب وأقرب. فما أظن أن هذه حكاية. لكن الخطأ أن تحكم اليمن الواحد وتعني بالمنطقة أو تعني بالأصدقاء والأتباع من القبيلة أو من الحزب.

> التعددية السياسية والحزبية تعتبر كما هو معروف ركيزة أساسية من ركائز النظام الديمقراطي؟- (مقاطعاً) أبداً ما ثبت أنها كانت موجودة إلا شكلاً.

> عفواً أقول أستاذ عبد الله التعددية السياسية والحزبية ركيزة أساسية للنظام الديمقراطي بمعناها الشامل ولم أقصد على المستوى اليمني؟

- نعم، نعم، هذه كلها خالقة ومخلوقة ومتطورة. التعددية مهمة جداً بحيث أن لكل واحد حقا، وبحيث أنه يمكن تداول السلطة، مرة هذا الحزب ومرة ذلك...

> كيف ترصد نشاط وحضور الأحزاب في الساحة أو الشارع السياسي اليمني منذ قيام دولة الوحدة وحتى الآن؟ وكيف تفسر ظاهرة تفريخ وانشقاقات الأحزاب، هل هذه الظاهرة الجديدة التي أتت بعد الحرب تعبر عن رؤى وتوجهات سياسية وفكرية جديدة؟

- في العالم كله لا بد أن يكون هناك حزبان أغلب من الأحزاب كلها، مثل الجمهوري والديمقراطي في أمريكا، مثل العمال والمحافظين في بريطانيا. هناك أحزاب متعددة، لكن الذي يحكم حزبان. في اليمن (وجد) المؤتمر والاشتراكي، كان الاشتراكي حزبا بالمعنى الحقيقي، وكان المؤتمر مجرد لملمة ومجرد جمع ناس إلى ناس، أصوات وأغان ومظاهرات، لكن لا ينفعون في سياسة خلاقة. ينفعون للمظاهرات وينفعون للزامل، لكن لا ينفعون للسياسة الكبرى، لأنه (المؤتمر) ليس له رؤية سياسية يستميت لأجلها.الأحزاب التي تعددت ما بَدت كذلك عندما أعلن علي عبد الله صالح الحرب. لا يمكن أن تكون الحرب رأي كل الأحزاب، ولا يمكن(تصور) أن كل الأحزاب قبلت الحرب، ولا يمكن أن ترضى بالحرب أية أحزاب وطنية. كيف يمكن أن تقبل أن يتقاتل الرئيس ونائبه، والبلد ونصفه، والدولة ونصفها. هذه الأحزاب ما لها وزن لكي يستشيرها الرئيس، ولا لها قيمة فرضتها على الرئيس. لا بد أن يكون للحزب قوة سياسية حتى الصغير من الأحزاب.إذا كان هناك أحزاب فإنها بلا قوة سياسية. الأحزاب كان يمكن أن تقوم على الأقل بمظاهرة ضد الحرب، لكن مَن جرؤ أن يقول لا؟ طبعاً السلطة استخدمت الشدة غير المشروعة وتجاوزت الحدود في الشدة، لكن هؤلاء تجاوزوا الحدود في البلاهة وفي السلبية.

> يعني نستطيع أن نقول إن دور المعارضة كان مشلولاً أو سلبياً؟- كان مشلولاً، أما السلبي لا. السلبي الذي يقترن بالإيجابي.

> لكن كيف ترى حرية الصحافة كثمرة من...؟

- ما أحد زاولها مزاولة حقيقية (...) ما لها وجود أبداً، لأنه إذا ما في رقابة علنية في رقابة سرية.

> قلت إن الحزب الاشتراكي هو حزب حقيقي، هل نعتبر الأستاذ عبد الله البردوني اشتراكياً؟

- لا. أنا أقول لك إذا تأملت مواصفاته وأطواره فهو حزب حقيقي.

> ما الدليل؟

- بدليل أن الحزبية فيه درجات والتنظيمات فيه على مراتب وهرمية، والذي يرقى هو بفضل قواعده في الحزب. وكذلك قواعده في الحزب كانت حزبية. لكن كان الحزب هذا كفرد واحد. يعني يمكن أن واحدا من الاشتراكي يقتل واحدا بسيارة، فالحزب يتعصب معه. لا أحد يسجنه، لا أحد يأخذ منه غرامة. لا، من واجب الحزب أن يجازي هذا العضو الذي أساء، وإذا ساءت سمعته ينبغي أن تفصله، ماذا تعمل بفرد وهو عضو فاسد يضر ببقية الأعضاء؟! عندنا الحزب، لكن ما فيه ما تسمى بت الحزب، رؤية الحزب، ثقافة الحزب، حزبية الحزب أيضاً. مثلاً الشاعر قد يكون أحسن طبل في الدنيا، لكنه عندهم نابه ونابغة. لأن الشرط في الحزبي أن يكون إنساناً أولاً.

> لو ننتقل إلى الأغنية اليمنية، بحكم موسوعيتكم، يرى البعض أن هناك نكهات في الغناء اليمني ومن يصفها بأنها ألوان، كالصنعاني واللحجي والعدني وغيرها، هل أنت مع هذه التسميات التي تعارفنا عليها؟ وما هي المقاييس والخصائص التي تميزها عن بعضها البعض من وجهة نظرك؟

- لا بأس أن تكون هناك تقريبات، نقول هذا الفن صنعاني وهذا الفن لحجي وهذا الفن حضرمي وهذا الفن صعدي، لا بأس، للتقريب. لكن لو أخذنا نتاجنا الغنائي الصنعاني واللحجي والعدني والحضرمي، سنجد في آخر الأمر أنها أصوات متقاربة جدا مثلما تتقارب أغنيات المغني الواحد. ما أجد أن هذا لون متميز أو مختلف حتى. مثلاً عندما تشوف الأغنية السودانية تجدها مختلفة عن الأغنية المصرية عن الأغنية السورية. كذلك مثلاً الأغنية في المغرب الآن بدأت تختلف وتتميز عن أغنيات المشرق التي تتلمذ الفنان المغربي عليها. فأظن لا يمكننا أن نقول سوداني مصري جميل، فهناك اختلاف وهناك فنّانِ اثنان. لكن عندما أقول لحجي صنعاني تعزي يريمي يافعي... فأنا أكاد أن أقول إن الصوت اليمني متشابه، الأغاني كلها متشابهة إلى حد الواحدية أو التماثل. أما أن هناك ما يبين الفن اللحجي كفن مستقل عن الفن العدني أو غير ذلك،لا.يمكن تجد فرقا أو اختلافا من "سمارة" إلى عدن، ومن "سمارة" إلى صنعاء، لكن من ناحية الصنعاني والذماري مثلاً لا يحدث، واللحجي والعدني لا، لأنها بيئة واحدة ومنطقة واحدة ونبرات الناس تتساوى، وحتى حين يتخاصم الناس وترتفع أصواتهم يكاد الواحد يحس أن أصوات الجمع كصوت الواحد، قد يكون هذا أبح صوتاً، قد يكون هذا أرق، لكن ذلك لا يجعل غناء كل منطقة مختلفا عن الثاني كلياً. في اختلاف في الجزئيات، في النبرات الداخلية، في الهمس الأخير. أما من ناحية أنه فن يصنف لذاته ومقوم بذاته فلا.

> يتهمك الكثير من المهتمين بالأغنية اليمنية بارتكاب أخطاء في ما كتبته في إصداراتك المختلفة حول الأغنية اليمنية... كيف تبرئ نفسك بحكم أنني وضعتك في قفص الاتهام؟

- أنا أرضى بهذه التهمه وأرحب بها. لأنه إذا كان هناك خطأ فهو خطأ التجريب وليس خطأ الذي يريد الإساءة. خطأ التجريب أو هناك سوء استيعاب، إلى جانب أن عندي جهلا بيَّناً في الفن الغنائي.لا تعلمت الفن الغنائي في معهد ولا الذين غنوا تخرجوا من معاهد.

> كثيرون غنوا لكم عن الأغنية اليمنية كتابات جميلة، نحن هنا لا نقلل من كتاباتكم ولكن نقلنا طرح بعض المهتمين؟

- شيء جميل جداً أن يكون الفنان عنده حساسية، ولكن لماذا الفنانون بدلاَ من أن يكيلوا التهم على الناقد يصبونها عليهم ويتفوقوا،فهذا في يدهم. و"توقيص" الآخرين لا يعطيهم كمالا.

> لدي ملاحظة جديرة بطرحها في هذا الحوار أيضاً، من خلال قراءتي لما كتبته ألاحظ حديثك دائماً عن الغناء اليمني يراوح بين صنعاء وعدن، وبقية المناطق لا تتحدث عنها بالرغم من أن هناك روافد هامة ورئيسية في الغناء اليمني مثل منطقة لحج وحضرموت وما تمثله هذه المناطق من ثقل فني ليس في اليمن بل في المنطقة كلها، الجزيرة والخليج. هل نقول إن هذا تجنٍّ من أستاذنا الكبير؟

- لا. نقول إن العواصم هي مصب فن المناطق كلها، لأن الحضرمي أو اللحجي سيغني في مهرجان في العاصمة، وسيغني من مذياع وتلفزيون العاصمة، والذين سوف يسجلون له مهندسون من عدن أو من صنعاء. فالحقيقة عندما يضرب الواحد المثل من العواصم فلأنها ذات الأضواء الكثيرة وذات الفنون الكثيرة، ولأن الحياة السياسية والأدبية أكثر تطوراً في العاصمة، لأن العاصمة متصلة بعالم تجاري، عالم سياسي، عالم علاقات، عالم دبلوماسي، عالم بعثات وإرسالات.لو أن الغناء الحضرمي في معزل عن عدن أو عن أجهزتها وجمهورها لما كان له قيمة. ولهذا يقال أن الغناء الأوربي لا يشتهر ويدخل منطقة التقويم إلا إذا انتقل من أوربا كلها إلى باريس، كذلك الغناء العربي إذا انتقل إلى القاهرة.

> الأغنية الصنعانية، إذا اصطلحنا على هذه التسمية، وكما هو سائد في الوسط الفني، شهدت تجديدا، وأقصد إدخال آلات جديدة عليها بدلاً من الاعتماد على العود والإيقاع فقط، كيف تقيم تجربة الفنان أبو بكر سالم في"وا مغرد"، "رسولي قوم"، وغيرها على اعتبار أنه من خارج مدينة صنعاء؟

- أنا أقول إن اعتبار المراحل أهم. أنا أتصور أن الأغنية الصنعائية من 1968-1975 أو إلى 1975 تكاد أن تكون أيام ازدهارها وانتعاشها. الأغنية من 1977-1988 تقريباً في صنعاء أو 1986 في عدن كانت مزدهرة بالأغنيات الجماعية، لأن الأغنية الجماعية التي ظهرت في آخر الستينيات وأول السبعينيات في صنعاء قطعت شوطا مهما، مثل "ألا جينا نحييكم"، "يا جبال اليمن يا مناجم ذهب"، كذلك "هيا نغني للعمل"... فأعتقد أن صنعاء من 1968-1975 تميزت بفنون الفرق الجماعية. هذا الفن ما تبلور وطلّعته فرق في عدن إلا من عام 1978 إلى 1986. ثم إن هذا الازدهار لم يحدث في الأغنية الصنعائية فقط، في الأغنية التي تأتي من تعز، في الأغنية التي تأتي من حضرموت، وعدن، في الأغنية التي من لحج. العجيب أن الفن الغنائي سريع الانتقال، ما تكاد أغنية تغنى في لحج إلا وتسمعها بعد أيام قليلة جداً في تعزأو صنعاء، لأن الأغنية إذا وقعت في موقع حاسة الإطراب لا بد أن تجد لها المقلد والمحاكي والمتفوق أيضاً.

> طيب تجربة أبوبكر كيف تراها؟

- تجربة أبوبكر أعتبرها مزيجاً من الخليج واليمن.

> كيف ترى تقديمه لأغنية "وا مغرد" مثلاً؟

- الأغاني التي قلد بها اليمنيون كان دون الذين قلدهم، لكن الأغاني التي ابتكرها ابتكاراً وبذل فيها مجهوداً وأدى لها عدة انسرابات فنية...

> أبوبكر عبدالله أغانيه تمثل اللون والطابع الحضرمي، وغنىّ للكثير من الشعراء في اليمن وحضرموت وفي مقدمتهم حسين المحضار؟

- لا. الأغنية تخرج من ناظمها إلى مغنيها. لا يكاد الناظم يكون له وجد، لماذا؟ لأن الكلمات التي غناها ما حملت التفسيرات وما نقحت إلى أن تصل إلى أداء معين، لكن أوحت إيحاء بأداء وأدت ذلك الأداء ليس عن نظريات علمية.

> أستاذنا، هناك جدل واسع حول هل عدن فعلاً تحتضن لوناً غنائياً خاصا أسوة بالتسميات المشاعة في الوسط الفني؟

- عدن بالنسبة إلى اليمن والجزيرة والخليج كانت تشبه باريس في الغرب أو القاهرة في الشرق. كل الأغاني من بداية العشرينيات إلى الآن وعدن هي التي تسجلها، هي التي تبيع الأغنيات، وهي التي نشرت الأسطوانات. كان في الأربعينيات والخمسينيات في استوديو "جعفرفون" وكذلك جماعة أسمهم جماعة الفرقة العدنية والندوة العدنية. يكاد أن تجد هؤلاء أنهم أول من طور الأغنية التي يجيدها الفرد وبين الأغنية التي تؤديها وتجيدها الجماعة.

> طيب هل يمثل ما قدمه أحمد قاسم وسالم بامدهف واسكندر ثابت وخليل محمد خليل، على سبيل المثال، هل يمثل لونا أو طابعا له نكهته الخاصة؟

- كل واحد له صوته. الأصوات هي التي لا تتشابه كل التشابه ولا يخلو كل واحد من نكهة لكن ليس الجمال الفني وليس الأداء الذي فيه سر نفسي أنه نكهة، لا. النكهة جزء من التقويم.



صحيفة النداء -

حبريافع
09-04-2009, 10:16 PM
عبدالله البردوني في حوار حول الأدب والفن والسياسة: غير حسَّاس وغير مبصر من يظن أن الوحدة قائمة، فهناك غالب ومغلوب
الخميس , 13 نوفمبر 2008
http://www.alnedaa.net/mimages2/Image17/baradwni.jpg
* الشعر الذي لا أفهمه جيد، والذي أفهمه رديء

* ليس كل من قاد دبابة عليم بالتاريخ وله حس تاريخي
* يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والإصلاح، بينما الحكم فردي، والذي يحكم هو علي عبدالله صالح
* لم أدافع عن أدونيس ولكني قلت إن إخراجه من الاتحادات (قومية وقطرية) عبث، لأنه لم ينتمِ إلى أي اتحاد
* حركة 13 يونيو كانت في بدايتها تآمرية، ثم تجاوزت التآمر، لأنها عرفت أن الشعب أبقى


في حضرة البردوني


في الذكرى الــــ9 لرحيل عبدالله البردوني، تعيد «النداء» نشر هذا الحوار الذي نشرته صحيفة «السفير» البيروتية عام 1995.
الحوار أجراه الزميل القدير حسن العديني مراسل «السفير» في صنعاء سنتذاك، وفيه يتجلى البردوني مثقفاً متشككاً من الطراز الأول، يخضع أفكاره ومثله للفحص والاختبار في معمل الواقع وحركيته، ناقداً بصرامة مسلمات جيله، جيل «الرومانسية الثورية» التي غمرت العالم العربي في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات.
فيما يخصني فقد تفضل حسن العديني بدعوتي إلى المساهمة في التحضير للحوار، بعدما لحظ شغفي بالبردوني، وآرائه. وقد رافقته إلى بيت البردوني، وأكثر من ذلك وجهت, بإيماءة من «حسن», عدة أسئلة لمضيفنا الاستثنائي.
إلى آرائه الانشقاقية فيما يخص الشعر والرواية والتطبيع الثقافي (مع اسرائيل)، كانت تلك المرة الأولى التي أستمع فيها مباشرة لرأيه في حرب 1994.
بالنسبة لصحفيين معارضين فإن حكمه القيمي الصارم حيال الحرب لم يكن صادماً. ما صدمنا حقاً هو رأيه في «الوحدة» رغم سابق اطلاعنا على آرائه النقدية حيالها. لكنه بعد الحرب بدأ متحرراً من أية كوابح، متعمداً تقويض مركزية «الوحدة» في وعي محاوريه وقرائه من بعد. وكلما استدعيت هذا الحوار طرق أذنيَّ السؤال الاستنكاري لحسن العديني: الوحدة مؤامرة؟!
في مقام الذكرى البردونية، هل أتجرأ فأقول إن البردوني ذاته وقع بعد رحيله ضحية مؤامرة؟ أتذكره حفياً بأعماله الجديدة (قيد الانجاز) ساعة التقيته في منزله بعد 3 سنوات (ابريل 1998). حدثني عن «الجمهورية اليمنية» الكتاب الذي شارف على الانتهاء منه، ليكون بمثابة جزء ثان لكتابه «اليمن الجمهوري» الذي صدر مطلع الثمانينات. قال إن «جمهوريته» يتعرض بالتحليل والتقييم لمرحلة الوحدة والحرب، متوقعاً أن يثير حفيظة كثيرين. وبقلب شاب يجرِّب للمرة الأولى ركوب بحور الشعر، تكلم بشغف عن مجموعته الجديدة «العشق في مرافئ القمر»، لافتاً انتباهي إلى حرف الجر، قبل أن يقطع بأنه في هذه المجموعة سيلوح مغايراً. كان على الدوام مخلصاً لانشقاقيته حتى في «ملكوت الشعر».
الذي يرى بأذنيه، كما داعبني في حوار أجريته معه في جلسة لاحقة، كشف عن مجموعة شعرية أخرى قيد الطبع هي «ابن من شاب قرناها». على ما فهمت فإن قصائدها تسير على منوال قصائد مجموعته الأخيرة «رجعة الحكيم ابن زايد». إلى الأعمال الثلاثة، تحدث عن عملٍ روائي لما ينجزه بعد.
الحاصل أن أعمال البردوني الأربعة اختفت قسرياً فور رحيله قبل 9 سنوات. وإنني لأعجب كيف تمر ذكراه بسلام دون أن يتحرك أحدُ من المعنيين، وبخاصة في اتحاد الأدباء والكتاب، الذي كان البردوني من أبرز مؤسسيه وترأسه في دورته الأولى مطلع السبعينات، لوضع حد لهذه المؤامرة.
غداة وفاة البردوني ترددت شائعات عن خلافات بين زوجة البردوني وآخرين من أسرة البردوني بشأن تركته. وظهر لاحقاً أن الخلاف امتد إلى موروثه الإبداعي، بما فيه أعماله غير المنشورة. في مجتمع الشفاهة بامتياز، تسربت أنباء عن اختفاء هذه الأعمال، قبل أن يظهر أحد مساعديه (مرافقيه) لاحقاً ليؤكد أن أعمال الراحل في الحفظ والصون، مدللاً على ذلك بدفع إحدى قصائده الجديدة للنشر في إحدى الصحف المحلية. على أن الغموض يلف «جمهورية» البردوني، إذ لم يبادر أحد، بمن فيهم السيدة الفاضلة زوجته، إلى تقديم إيضاحات بشأن الكتاب.
المحقق أن إساءة بالغة ومستمرة تُوجه لليمنيين جراء ما يسميه البعض «إشكال عائلي»، فيما يشبه تصفية حسابات مع البردوني في غيابه. ولئن بدا مفهوماً موقف (لا موقف) المؤسسة الرسمية اليمنية حيال هدر تراث شاعر لم يوفرها يوماً في إبداعه ومواقفه السياسية، فإن موقف اتحاد الكتاب والأدباء ليس مفهوماً ولا لائقاً. والمنتظر أن ينتصر الاتحاد لنفسه قبل أن ينتصر للإبداع، فيبادر إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ تراث أبرز مؤسسيه.
سامي غالب
Samighalib1@hotmail.com
> كثيرون يرون أن الرواية قصيدة القرن الواحد والعشرين، هل معنى ذلك أن الرواية ستحل محل الشعر؟
- لا. الرواية هي فن مستقل بذاته، وإذا حلَّت محل الشعر سقطت. إلا أن الرواية تشبه الشعر من عدة نواح، فالمجيدون في الرواية قلة، كالمجيدين في الشعر. إذا قلنا إن هناك خمسة مجيدين أحسنوا إجادة الشعر، وتمادوا في تطويره ببلوغ المدى، ففي الرواية كذلك. في الشعر مثلاً: أدونيس، السياب، خليل حاوي، محمود درويش. هؤلاء ذروة في الشعر: هكذا (الحال في) الرواية، يمكن تقول: نجيب محفوظ، الطيب صالح، عبدالرحمن منيف، ومن الباقي، الباقي يكتبون الرواية كثيراً، ليست في غاية الجودة ولا لها بعد نفسي ولا لها بعد زمني. لكن الذين أجادوا الرواية فاقوا أحياء وفاقوا أمواتاً، نجيب محفوظ لأنه أبو الرواية المعاصرة، ولحق به الطيب صالح وواكبه، لا لأنه تحرك تحت مظلة نجيب محفوظ، بل لأنه جاء من رؤية مختلفة، فكان له وزن يوازن نجيب محفوظ، ولأنه مختلف عنه كلياً. على حين ظل كتاب الرواية، حتى والقصة، يقلدون نجيب محفوظ ويتحركون تحت مظلته في كل الأشكال، حتى في الثلاثية، عندما كتب محفوظ الثلاثية جاء من يكتب الثلاثية والرباعية وروايات بالكيلو، لكن لا أحد بلغ مبلغ محفوظ والطيب صالح وعبدالرحمن منيف. وأنقذ عبدالرحمن منيف من أن يقع تحت مظلة نجيب محفوظ أن موضوعه مختلف والمكان الذي يكتب عنه وتتحرك فيه احداث روايته من عالم مغاير لعالم نجيب محفوظ وعالم الطيب صالح.
> لكن هذا يقود إلى سؤال: كثير من الأدباء والكتاب، أياً كان مجال إبداعهم، سواء كان شاعراً أم قاصاً أم روائياً، يبدع أعمالاً محدودة ثم يستجر ما يكتبه، يظل طول العمر يعيد تكرار ما أبدعه، يعني لا يوجد مبدعون من صنف رامبو، كيف تفسر ذلك؟
- أن يكرر المبدع نفسه هذه واردة، وقد قالوا عن نجيب محفوظ عندما كتب «المرايا»، إنه كرَّر نفسه وأن «المرايا» نسخة مختلفة من الثلاثية. لا، الشاعر والروائي والقاص يكتب عن موضوع محدد ويؤلف صوراً ويطرز عدة مفاهيم، ويكاد أن يكون في كل ناحية يخلق خلقاً جديداً، ثم يكتب بعد ذلك عملاً آخر يجيئ وله صور لم تكتمل في الأعمال الأولى، فيعيدها من وجهة أخرى من أجل أن يتناول ما فاته من الصور والأمشاج في الأعمال السابقة. ليس هناك تكرار. مثلاً نزار قباني يقولون عنه إنه كتب خمسة دواوين والآن يعيد الخمسة الدواوين في دواوين أخرى؛ لا. صحيح أن لغة نزار (مميزة)، لغة معجمية ولغة جمالية ولغة من رصيف الشيلان والفساتين ومن روائع الأنثى، هذه فعلاً لغة مميزة، لأنها لغة المرأة أنثى، أو المرأة قصيدة، أو المرأة رواية... هكذا، لكن نزار قباني عندما كتب الشعر السياسي تبدَّى شاعراً مجيداً، وأنه يكتب عن الشعر السياسي مثلما يكتب عن بائعة الحرير، أو مذعورة الفستان، أو مثلما يكتب: «أيظن أني لعبة بيديه؟!». لكن نزار قباني بدأ يأخذه الجنون من ناحية رمي قصائده للتغني، لأن «نجاة الصغيرة» غنت له قصيدتين نجحتا، لكن بمقدار ما نجحت نجاة الصغيرة غنائياً ما نجح نزار فنياً ولا شعرياً. الغناء والموسيقى لا يمكن أن تزيدا الشعر موسيقى من عندهما، لا، النص الضعيف يظل ضعيفاً ولو في ظل الموسيقى، والقصيدة التي انتقلت إلى الغناء لم تعد قصيدة في حدودها، أصبحت عملاً آخر، مثلما تتحول الرواية إلى فيلم، من عمل مقروء إلى عمل منظور. فأقول إن الذين يقولون: هناك تكرار نفس لا، وإنما هناك تكرار بعض الالوان، بعض الصفات، بعض إلالماحات، لأنها كانت في الأعمال الأولى ناقصة، وصارت في العمل الجديد أوفي أو أشمل غرضاً. فليس هناك ما نسميه تكراراً نفسياً، ولا هناك من يكرر نفسه، وإنما الشعراء الذين ينقطعون أو النقاد الذين يتابعون بعجز يقولون إن فلاناً بدأ يكرر نفسه ولم تعد مؤلفاته الروائية تستحق النقد لأنه يكرر نفسه، ادرس لماذا كرر نفسه، وبيِّن وجه التكرار، الناقد الحقيقي يفعله كذا.
> على ذكر الشعر الغنائي، قرأنا في إحدى الصحف (اليمنية) أن مطربة عربية من الجزائر ستغني لك قصيدتين؟
- لا أذكر أن واحدة طلبت مني، ولا أنا قدمت لأي مطرب. عندي فكرة أساسية أن القصائد التي تُغنىِ هي القصائد الوسط وليست القصائد القمة. مثلاً أم كلثوم تغني لأحمد شوقي «ولد الهدى»، «نهج البردة»، «أيها النيل»، لكنها ما غنت جياد شوقي مثل «مصائل الايام»، «أعلى الممالك» (حول شكسبير). القصائد الجياد تستعصي على الغناء وتظل متفوقة على نَفَس المغني وعلى رؤية الملحن. القصائد الجياد لا تُغنى؛ أولاً لأنها صعبة، وثانياً لأن الجمهور يحتاج اللغة العادية التي تمثل التجارب العادية، مثل «أيظن أني لعبة بيديه؟ أنا لا أفكر في الرجوع إليه»، يمكن أن تقولها 20٠ أو 1000 زوجة في كل يوم، فكرة عادية، صورة مستهلكة. «اليوم عاد كأن شيئاً لم يكن وبراءة الاطفال في عينيه»، تجربة عادية، تقولها امرأة غاضبة من زوجها أو زوج غاضب من زوجته، وفي كل بيت لهذه التجربة صدى أو صورة منها.
الشاعر الغنائي يختلف اختلافاً موضوعياً. لعبدالرحمن الأبنودي ١٥ ديواناً ليس فيهما قصيدة غنِّيت، لأنه يرى أن قصيدة الغناء عادية، يكتب عنها وهو يمشي، أو يقولها قبل أن «يخلِّص» فنجان القهوة، لكن القصيدة التي للشعر ومن قواعده وملكوته تستعلي على التغني. حتى في الشعر القديم عندما يروي لنا صاحب كتاب «الأغاني»: غنى الموصلي صريع الغواني أو غنى ابراهيم المهدي لفلان، تجد أن الأبيات التي تغنى أقل تجربة من تجارب الشاعر نفسه، مثلاً تُغنى لعمر ابن أبي ربيعة قصيدة:
ليت هندٍ أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبد (...)
فتضاحكن وقد قلن
«حسن» في كل عين من تود.
فهذه تجربة المرأة كل يوم، الذي يحبها يراها أجمل النساء، لأن الحب يخلق الجمال، وليس الجمال هو الذي يخلق الحب.
> مع هذا أنت تتوغل في الغموض كلما تقدمت في العمر أو مرت بك التجربة. هناك من يربطه بالقمع، والأستاذ البردوني معروف بشجاعته؟
- لا يفسر الغموض بذلك، كلما تقدم الشاعر في العمر تزايدت أفكاره وتزاحمت تجاربه، وصعُب عليه كتابتها بوضوح، فهو غموض الأصالة وغموض تعقد الأفكار وليس غموض المفردة، وأظن أن الشاعر يعرف مسؤوليته. القارئ يجب أن يحرِّك أكتافه ويهز عضلاته ويستعد لأن يتثقف، لأن الأدب السهل لا يعطي إلا تجربة سهلة، أعظم الوجبات صعبة الهضم، لكن الوجبات الخفيفة موجودة في كل مكان. أتصور أن القصائد المغناة أو القصائد (العادية) التي هي كالسندويتش، سهلة الهضم وسهلة التناول. لكني أريد من القارئ أن يتحرك وجدانياً وأن يعيد (القراءة) وأن يحاور ويعيد المحاورة والتكرار. ليس هناك صعب، كنت مطبوعاً على الشعر القديم، يعني نشأت عليه وقرأت يمكن عشرات الدواوين، وعندما بدأت في الخمسينات أقرأ الشعر الجديد كان صعباً عليَّ، ثم قلت: ليس هناك صعب. كررت ثم كررت حتى بدت لي فكرة أن الذي لا أفهمه هو جيد، والذي هو في مستوى فهمي هو رديء. يجب أن تقرأ ما لا تفهم حتى تفهم.
> لماذا لم تعد هناك قصائد توزع كالمنشورات السرية، وأين ذلك الشارع العربي الذي لم يكن يميِّز بين القصيدة والقنبلة؟
- لا. كان هناك مجتمع محدود، وكانت المشاكل المعيشية سهلة، وعندما تضخمت مشاكل الحياة أصبح الناس مفقودي الوعي، قارئاً ومؤلفاً. هذه بسياسة ذات بعد وذات دراية في النفس والمجتمع.
> هل للإعلام دور؟
- للإعلام دور، لكنه مضلِّل.
> لماذا أخذت علي بن زايد كقناع لشهاداتك في ديوانك الأخير؟
- لأن الثلاث السنوات الأخيرة ما احتكمت إلى الشعب في وحدة أو عدم وحدة، ما احتكمت للشعب في حرب أو عدم حرب، ولهذا حُكم على الشعب بما يريد الفرد، فأنا اخترت، علي بن زايد على أساس أنه رمز للشعب ويجب الرجوع إليه.
> ما موقفك من دعوة البعض إلى تجسير العلاقة بين المثقف والامير؟
- لا يمنع أن يكون الأمير مثقفاً، بل أكثر الأمراء أقدر على التثقف، لأنهم يملكون أغلى الكتب ويجدون أحسن الاوقات للقراءة، هذا إذا كانوا أمراء مثقفين، لكن الوزراء الذين صعدوا من الشعب كانوا خارج الوزارة مثقفين، وعندما أصبحوا وزراء أصبحوا مجرد موظفين ليس لهم علاقة بالثقافة ولا بالفهم.
> في أشعارك الكثير من المفردات المحلية والاشتقاقات اللغوية وأسماء مناطق يمنية، هل تضع القارئ العربي في الاعتبار لحظة إبداع القصيدة؟
- نعم. مثلما أنا أقرأ في الشعر العربي أماكن لا أعرفها، وبفضل قراءة الشعر أعرفها. عندما أقرأ «جيكور» في شعر السياب أعرف أنها قرية، وأنا أكتب عن أماكن يمنية (كي) يعرفها القارئ العربي لأنها تأتي متناسقة مع التجربة الشعرية وتأتي الأسامي المكانية في أمكنتها التي لا يمكن أن تكون إلا لها، فهناك تهيئة وإحكام لوضع اسم المكان، لأنه أكثر ايحاءً وأعلى إشارة وأبعد مرمى. فهم القصيدة لا يتوقف على المكان. يمكن أن يكون في قصيدتي عشرون اسماً، وذلك لا يعوق القارئ العربي عن فهمها، فالشعر يجب الاّ يعرَّف بنفسه فقط، وإنما يكون باباً إلى معارف من وراء معارف الشعر.
> العقاد قرأ شخصية ابن الرومي من شعره، هل تعتقد أن بالإمكان في المستقبل أن يُقرأ التاريخ اليمني من خلال قصائد البردوني؟
- لا. يمكن أن تقول حياتي من خلال شعري.
> لكن هناك رصد وتاريخ غير مفصل في شعرك؟
- قد يشكل الشعر تجربة تاريخية، قد يكون دليلاً للمؤرخ، قد يكون مسبراً يسبر به الأشياء، لكن أن يشكل تاريخاً لا، لأن الشعر تاريخ يؤرخ من الداخل، والتاريخ فن يؤرخ من الخارج، فالشعر في ذاته هو تاريخ من الداخل، لكنه تاريخ النفوس، تاريخ العواطف، تاريخ التجارب. فإذا قلنا إن العقاد كتب عن ابن الرومي «حياته من شعره»،: فالحقيقة أن هذه السيرة تظل ناقصة، لكنه بفضل كثرة شعر أبن الرومي، الذي قال عن كل شيء وبكل شيء، حتى أن ديوانه هو أطول ديوان في الشعر العربي، يمكن أنه كشعر المتنبي أربع أو خمس مرات، فلأن ابن الرومي كان يقول عن كل حالة وعن كل مشكلة، وعن كل أمنية، وعن كل موجعة، له سبع قصائد تتحدث عن الجراد التي أكلت حقله:
لي حقل صب عليه الجراد
وأتاه قبل الحصاد الحصادُ
وكذلك عندما مات أولاده، رثا الاول ورثا الثاني ورثا الثالث، وكان على رثاء الثلاثة مع كل واحد بعاطفة خاصة، وكأنهم لم يكونوا أولاده، وكأنهم لا تجمعهم أبوة وأمومة. ابن الرومي كان شاعراً عريض الرؤية، جيد الحصيلة اللغوية، ممتاز الكلمة والرؤية والمعنى، حتى أنه يفصِّل البيت الواحد إلى ثلاثة أبيات، لأنه كان سيئ الظن بالقارئ، ويحس أن عنده ما يفيد وأنه يجب أن يوصل ما عنده إلى القارئ (إلى حد أنه) كان يبطل المعنى من كثرة تفصيله بأبيات لاحقة.
العقاد عندما تناول ابن الرومي كان موفقاً، لأن في شعر ابن الرومي ما يشكل جملة حياته. الشعر الجيد الذي قاله ابن الرومي كان وليد لحظات، لكن الشعر الذي يشكل الحياة يكاد لا يتميز به أو يتفرد به أي شاعر غير ابن الرومي، ومش ممكن أن قصائدي أو قصائد الدكتور المقالح تشكل حياتنا، لأننا نشعَر عند لحظات استثنائية وعند غيبوبة ضبابية وعند احتمالات شعرية، يعني الشعر عندنا وليد لحظات حبلى وليس تكريس حياة أو تدوين حياة، بينما شعر ابن الرومي يمكن أن يشكل سيرة ولكن سيرة ناقصة، لأن السيرة تعتمد على وثائق، على مقومات تاريخية، على حركة الجيل من حول الشاعر، على الجو السياسي حول الشاعر، على (الوضع) الاقتصادي، والاضطهاد في حياة الشاعر، ابن الرومي شمل كل هذه الآفاق كما يشملها الكاتب، مع هذا يظل كتاب «ابن الرومي حياته من شعره» في حاجة إلى شيء من الوثائق، فالشعر صار في تكراره وثائقي عند العقاد، والعقاد كما تعرف يكتب من وجهة نفسية وليس من وجهة تأثرية.
> في توضيح للسؤال: التاريخ يكتبه الحكام أو المنتصرون كما يقال...؟
- (مقاطعاً) يكتبه المتطلعون والمتابعون والمهتمون بالناس، الحكام لا يكتبون تاريخاً وإنما يخلقون مراحل قهرية، والقهرية تزول بزوال القاهر.
> تساءلت في كتابك «الثقافة والثورة في اليمن»: لماذا يوثِّق مركز الدراسات والبحوث اليمني للثورة بشهادات معاصرين للأحداث ولا يستكتب مؤرخين لهم تجارب في كتابة التاريخ؟
- نعم. لأن الشاهد غير المؤرخ، كل جيوش بريطانيا وامريكا وروسيا ما عرفت كيف حاربت في الحرب العالمية الثانية، لكن المراسلين العسكريين والمدونين للتاريخ هم الذين كانوا يفسرون كل حركة، وكان هناك ضابط سياسي مع كل جيش ومع كل فرقة.المحارب يعرف أنه يحارب، لكن المؤرخ هو الذي يسجل حروبه، كيف تسلسلت، وكيف انتكس هنا، ولماذا انتصر هنا، ولماذا انهزم هناك، ولماذا غلب غيره في مكان آخر... المؤرخ هو هذا، مش الذي ساق الدبابة عليم بالتاريخ وله حس تاريخي.
> «جوَّاب العصور» ماذا يقول في عصر السلام والشرق أوسطية؟
- جواب العصور جاب التاريخ وليس عصر اليوم.
> ونحن في عصر اليوم، الشاعر بمقدوره أن يتنبأ بالمستقبل بما يمتلك من مخزون معرفي وبروحه الشفَّافة؟
- هو يمتلك من ناحية الرصد التاريخي للوقائع واستخلاصها واستنطاقها، ويمكن على ضوء ما حدث يرى ما سوف يحدث. بالنسبة لجواب العصور، هو بطل من أبطال القصائد، «زيد الوصابي»، هو الانسان العادي الذي جاب التاريخ من أوله إلى آخره إلى أن وصل إلى أسوأ مرحلة، هي مرحلة الاستخبارات ودول المخابرات وكثرة المتساقطين، ثم السقوط السياسي. والذي يصطنع مخابرات هو المجرم الذي يستحق مخابرات تكشف سيئاته.
الحقيقة أن «الوصابي» كان نقاداً، اكتشف المخبر واكتشف بائع القات واكتشف المتلصصين، واكتشف الخادعين والمخدوعين، هذه قيمة جواب العصور، لأنه فسر لماذا يكون الانسان خادعاً ولماذا يكون مخدوعاً، ولماذ لا يكون البشر إلا خادعاً ومخدوعاً، وظالماً ومظلوماً، وحاكماً ومحكوماً.
> تكلمنا عن التنبؤ والرؤية، أين ترى العرب في القرن الـــ21؟
- ما لي دراية بكل العرب حتى أستطيع أن أقول عن العرب. أقول إن الساسة لا يعلمون، لكن المثقفين متفاوتو المعرفة بالمستقبل، لا بد أن هناك من يرصدون الاحداث. كان قسطنطين زريق يكتب كتابة «نحن والمستقبل» بعد كتابة «نحن والتاريخ»، فعندما وصل إلى الصفحة 200 من الكتاب، اشتعلت حرب لبنان، فقال في آخر كتابه: «إني أكتب هذا الكتاب لمستقبل لبنان، وهذه الحرب العاصفة والمجنونة تدمر كل شيء، حتى لا نكاد نتصور للغد مدخلاً، لكن لا بد أن نتفاءل أن هناك وراء الحرب عالم سوف يجد، ويخرج من الحرب معافى لكي يصلح الغد الأجمل».
الحقيقة أنني أتنبأ تنبؤات لا أقصد بها التنبؤات الزمنية أو المستقبلية، وإنما أقصد بها إشارة معينة مثلما في قصيدة «الحاكمون» في ديوان «في طريق الفجر»:
ايا من شبعتم على جوعنا
وجوع بنينا ألم تفهموا
ألم تفهموا غضبة الكادحين
على الجوع لا بد أن تفهموا
بعد أن قامت الثورة قالوا: البردوني قال كذا، وأنا قلتها ماناش متنبئ بثورة، إلا أنني متأكد أن لكل عقوبة مُعاقب ولكل مضحٍّ بالناس من يضحي به، لأنك تجد للقوي أقوى وللعنيف أعنف، وتجيء قوى من فوق حسبانه ومن خلف ظنونه.
> بالمناسبة أنت هاجمت حركة ١٣ يونيو عند قيامها، لكنك بعد استشهاد ابراهيم الحمدي أوفيتها حقها؟
- ما كان التغير من قبلي، كان التغير من قبل الحركة نفسها. هي عندما قامت قامت بالمشائخ، وقامت ضد عبدالرحمن الارياني بس، ولو أن عبدالرحمن الارياني كان أذكى من المشايخ وخلاهم كلهم يستقيلون، لأنهم كانوا ما يشتوه إلا وحده (يستقيل)، وكانت الحركة في أولها تآمرية، ثم تجاوزت التآمر وعرفت أن الشعب أبقى، فقيامها كان عن تآمر لكن نهجها كان شعبياً فيما بعد، فالذي تغير هو المرحلة.
> استاذ عبدالله، دافعت عن أدونيس في حادث فصله (بزعم التطبيع)؟
- لا دافعت ولا عاديت، إلا أنني قلت إن إخراجه من الاتحادات العربية (القومية والقطرية) عبث، لأنه لم يدخل أي اتحاد، ولا ينتمي إلى أي اتحاد، فما فائدة أن نخرج الذي لم يدخل؟!
> هناك دعوة للتطبيع، وأدونيس...؟
- (مقاطعاً) التطبيع الثقافي قائم بدون دعوة، مثلما نقرأ الأدب الفرنسي أو الأدب الألماني والأدب الروسي، نقرأ الأدب الاسرائيلي، أكثر الذين تقرأ لهم من الامريكيين هم صهاينة واسرائيليون، ما أدراني من هو همنجواي! يمكن هو صهيوني، لكن في امريكا لا أحد يتساءل من هو الاسرائيلي ومن هو الامريكي.
- قبل الوحدة كان هنا في اليمن سجال في الصحف حول الديمقراطية وارتباطها بالقبلية، وأن اليمن يمكن أن تتحول إلى سودان أو لبنان، وكان لك رأي بأن الحزبية مرحلة متقدمة ممكن أن تتجاوز القبيلة؟
- لا. كان رأيي أن الحزب جزء من القبيلة وشباب القبيلة.
> لا، كان رأيك أن العمل الحزبي لم يرتد إلى القبيلة؟
- عندما حدثت التعددية ارتكبت أمور بدون دراية الشعب وبدون دراية الأحزاب، هل تستطيع أن تقول إن التعددية (الحزبية) راضية بالحرب، هل أحد راض باقتلاع الجنوب؟ لا. لو كانت الأحزاب أحزاباً حقيقية لما فُرضت عليها الحرب، وها هم الآن يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والإصلاح. أحزاب لا تشكل معارضة ولا تشكل حكماً، لا تظن أن المؤتمر أو الإصلاح هو الذي يحكم، الذي يحكم هو علي عبدالله صالح، لأن الحكم عندنا رئاسي وليس وزارياً، يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والاصلاح، الحاكم واحد، ليس حزبين أو أربعة أحزاب، وليس هناك أية معارضة، المعارضة ما تحرِّك مظاهرة إلا بإيحاء من الرئاسة.
> أقصد هل بالإمكان أن تتجاوز الأحزاب القبيلة؟
- الاحزاب التي يمكن أن تنبثق من هذه الاحزاب، أما هذه الاحزاب فقد تكونت على هذا التكليس وتكونت على هذه السلبية، وطبعاً (استبدت بها) مسألة القات ومسألة المصاريف. هناك فلوس وراء الطاعة، وراء أن يحسنوا القبيح أو يقبحوا الحسن. قد يكون هناك أفراد جيدون لكن ليس هناك أحزاب جيدة.
> لماذا كان عبدالناصر القائد الوحيد الذي خلدته في شعرك؟
- كانت مواقفه شعبية، ومواقفه من مواقف الشعوب، ولأنه كان زعيماً بكل المقاييس، وكان شعبياً بكل المقاييس، وكان ثوريا بكل المقاييس، لأنه كان أكبر من مرحلته. ولو تطورت فترته في صورة تنظيم أو نظام لكان لليمن وللعرب جميعاً مستقبل غير (الذي حدث)، لو امتد عهد عبدالناصر في شكل تنظيمات وفي شكل أنظمة تخرج إلى المناطق الزمنية المختلفة وهي معبأة برأي مسبق وبرأي متصور لكان أفضل. وعندما حكم كان عنده خلفية ثقافية، الثقافة تخلق الساسة. مثلاً عبدالناصر قال إن «قصة مدينتين» هي التي خلقت في نفسه بذرة الثورة. وقال أيضاً إن قصة توفيق الحكيم «عودة الروح» حركت فيه الحس الثوري. كان عبدالناصر قوة ثقافية علاوة على كونه قوة سياسية. صحيح كان له هفوات صغيرة، كثقته بالضباط، وكان يقول إن الثوار هم المسؤولون عن الثورة يجب أن يتزعموها، فكان يبعث لكل مسألة خطيرة في سوريا أو في مصر ضابطاً عسكرياً، وهي مسألة تحتاج لأكبر سياسي، فهذه طريقته في الاعتماد على الثورة والثوار. لكن ليس عليه هنات كبيرة، فما عرف بصفة الجلاد ولا عرف بالعدوانية ولا عرف بإراقة الدماء. هناك واقعة كتبها انور السادات في كتابه «البحث عن الذات» أنه قيل لجمال عبدالناصر أن (الملك) فاروق أبى أن يغادر القصر فهل نقصف القصر، قال: لا، آخر من يخاف هو فاروق، وإنما في البيت ثلاثون نفساً وآخرون، فحاصروه حتى يستسلم للأوامر.
> بعد كارثة الحرب الأخيرة هل لديك فسحة أمل في أن يستعيد البلد عافيته؟
- لا. في الحقيقة الأمر يحتاج وقتاً ووقتاً جيداً، مش وقت من هذا «الزمن المخلبص»، الزمن السيئ، إذا جاءت ظروف أفضل فيمكن، لكنا فقدنا قوة كانت جاهزة وقادرة على أن تخلق سياسة وتقود، ولكن الآن يحتاج بذرة من جديد تنبت، أما الذين سبقوا سواء من المحاربين أو المحروبين، الغالبين أو المغلوبين، يكاد أن يكونوا قوة أكلت بعضها بعضاً.
> هل لما جرى صلة بالاتفاقية الاخيرة مع المملكة التي سميت بمذكرة التفاهم؟
- لا. هذه جديدة، لأن الوحدة كانت مؤامرة على الشعب اليمني كله، فنجح الشق الأول، وكان بضرب الجنوب. وهذه الاتفاقية هي وسيلة ثانية لضرب الشمال وضرب الجنوب، لأن المرحلة واحدة.
> الوحدة كانت مؤامرة على اليمن!
- نعم.
> ولكنها تخدم الشعب اليمني في المدى البعيد؟
- أيوة بتقتيل الناس!
> بالمدى البعيد تاريخياً؟
- ما في من الخراب إلا الخراب، وما في من الفساد إلا الفساد.
> هل تعتقد أن الوحدة مهددة بالانفصال؟
- الانفصال قائم، من ظن أن الوحدة قائمة فهو غير حساس وغير مبصر أيضاً، لأنه في غالب ومغلوب، في يمن محتل بفرد، وفي يمن محكوم بفرد، والحكم كله فردي. ربما أنها (الوحدة) قائمة نظامياً، لكن عندما تشوف النظام ما مقوماته كنظام ستقول مش قائمة نظامياً ولكنها قائمة بالعنف. مع أن الحكم لا يحكم أي جهة يحكمها، عنده أن الشعب موظف عند الحاكم والصحيح هو العكس أن الحاكم موظف عند الشعب.



صحيفة النداء