ابومشعل
10-05-2009, 03:53 PM
اليمن على مُفترَق الصراع العالمي
تمهيد
اليمن تحت حكم علي عبد الله صالح على حافة التفكك، وهو يواجه ثلاثة أخطار معاً: الحوثيون في أقصى الشمال الغربي على الحدود مع السعودية، والحراك الجنوبي، الانفصالي التوجه، في اليمن الجنوبي السابق، وتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، في بؤر منتشرة بين الشمال والجنوب، مع ما يمكن أن يتسبب كل ذلك بتأثيرات استراتيجية على عدة دوائر جيوبوليتيكية بالغة الأهمية من منظور النظام الدولي وقواه العظمى المتنافسة على الطاقة وطرق مواصلاتها. وبدلاً من أن يكون اليمن الموحّد حجر الزاوية في موقع استراتيجي مميز، تحيط به انهيارات دول القرن الإفريقي غرباً وجنوباً، وتجاوره دول الانسداد السلطوي شرقاً وشمالاً، يكاد اليمن يكون الدولة الأكثر فشلاً بعد الصومال، مع تفكك البنية السياسية للنظام تدريجياً، وتهاوي أسسه القبلية والمناطقية، وانحسار موارد الدعم المرصودة له مقابل الدور المناط به، إن في مواجهة القاعدة، أو في معادلة التوازن الإقليمي.
فبعد وصوله إلى ذروة القوة، بعد انتصاره عام 1994 على الحزب الاشتراكي في الجنوب بتحالف وثيق مع التيار الإسلامي عامة، وتحقيقه وحدة اليمن لأول مرة في العصر الحديث، يصل علي عبد الله صالح إلى منعطف حاسم، ببروز الرغبة الدفينة بتوريث الحكم، كما هو حال كل الجمهوريات العربية الشقيقة، وإفلاس استراتيجية "فرّق تسدْ"، أي الاستعانة بفريق ضد آخر من خصوم النظام، وتعظيم مخاطر فشل الدولة في الداخل لاستدرار المال من الخارج[1] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1).
ومع هيمنة النزعة القبلية والجهوية إلى التميز المذهبي المنصبّ في أبعاد جيوبوليتيكية داخلية معقدة، يشكّل اليمن ساحة سانحة للتيار الجهادي في سياق الصراع العالمي المحتدم على المنطقة الغنية بالنفط، لكنه كما العراق، يحتمل تحديات وعوائق عدة. فاليمن سني بأغلبيته (شافعي وسلفي)، لكن البقية المكوّنة من الزيدية الأقرب إلى أهل السنة، والإمامية الاثني عشرية الأقل حجماً والأكثر تنظيماً، هي ضمن أهداف الخطة الإيرانية الشاملة لتطويق جزيرة العرب، بالأقليات الشيعية[2] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2). ورغم وجود تيار وحدوي تاريخي في اليمن، انبعث اتجاه انفصالي في الجنوب، يجد له كل يوم مبرّرات ومستندات من الواقع المعاش، وقد يعثر على رعاية دولية معينة كما هو حال كردستان العراق. وبين هذه وتلك، احتمالات غير ضعيفة لاندلاع نزاع قبلي على السلطة في صنعاء، وتوسع التمرد الحوثي المدعوم إيرانياً على الحدود مع السعودية باتجاه الصراع المذهبي السافر مع القبائل السنية في الشمال، وتعزّز إمكانيات الصدام بين الشمال والجنوب، عاجلاً لا آجلاً، وعلى طريقة حرب العصابات في مرحلة أولى، وصولاً إلى عودة اليمن الجنوبي دولة مستقلة، تقاطعاً مع مصالح إقليمية ودولية.
ويأتي موقف قاعدة الجهاد المؤيد لمظالم الجنوبيين ليزيد من غموض المشهد، مع أنه يقيم صلة وصل مع الحدث المتنامي ضمن السياق العام، ولا يؤيد الانفصال كمشروع يلتمس أُسُسه من المميزات القبلية والمذهبية والسياسية[3] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn3). ثم إن عمليات القاعدة ضد الأهداف التقليدية (السفارات الأجنبية ومظاهر النفوذ الغربي) تتقاطع مع مواجهات الحوثيين في الشمال مع قوات صنعاء، لجهة إسقاط هيبة النظام، وهو تقاطع ظرفي بين الجهاديين والحوثيين، على التناقض المعروف في الأهداف النهائية.
فما هي آفاق اليمن مع تفاقم عوامل الانهيار وتقاطعها بين داخل وخارج على تقويض السلطة القائمة دون بديل جامع؟ وهل يتحول اليمن قريباً إلى ساحة نزال ذي بعد إقليمي ودولي أكبر من الإطار السياسي الحالي؟ وما هي فرص قيام نواة جهادية صلبة تكون لها انعكاساتها على جزيرة العرب، وعلى المجال الجيوبوليتيكي في أكثر من اتجاه، خصوصاً إذا تفكّكت السلطة وباتت الدولة دويلات؟
قبل محاولة تلمّس الإجابات أو استيضاح معالم المرحلة المقبلة، لا بدّ من إعادة قراءة الموقع الاستراتيجي لليمن، لامتلاك بعض مفاتيح الفهم، إذ لا يمكن إدراك دور الأطراف الخارجية الضالعة في التململ الداخلي، أو المستفيدة منه لاحقاً، من دون رسم خارطة القوى الدولية المتصارعة على طريق النفط، أو رصد تأثيرات ما يجري حوالي اليمن من أحداث وسياقات لا تقل خطورة، كما أنه لا يمكن - من دون هذه القراءة الشمولية - رصد التأثيرات الممكنة للحراك اليمني ككل على موازين القوى في المستوى الإقليمي على الأقل.
مشهد
يقع اليمن جنوبي المنطقة المتوسطة الواقعة تاريخياً بين القوتين العالميتين: القوة البرية (روسيا الكبرى وما في مقامها) والقوة البحرية (أمريكا ومعها أوروبا الغربية)، وذلك وفقاً لنظرية الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر (Halford Mackinder) وتعديلاتها اللاحقة.
هذه المنطقة البَيْنية المتوسطة كانت منطقة النزاع الرئيسية بين الإمبراطوريات القديمة، ولم تنبعث كقوة عالمية إلا بعد ظهور الإسلام في جزيرة العرب، وانتصارها على قوى البر والبحر، الفرس والروم في ذلك الوقت، حيث تمكنت دولة الخلافة الإسلامية طوال قرون عدة من أن تقوم بدور وسطي جيوبوليتيكياً، رغم الحملات الشرسة عليها من البر ومن البحر. وما أن انتهت الكتلة الإسلامية الموحّدة نسبياً عقب هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، حتى اختل التوازن، بل أصبحت هذه المنطقة "منذ الاستعمار والسيادة الأوروبية والأمريكية مجرد إسفين ضخم في قلب العالم الكروي أو مجرد دينوصور منقرض ملقى كجثة شبه هامدة وسط العالم المعاصر"[4] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn4).
وكانت هذه المنطقة، خلال الحرب الباردة، مثار نزاع من منتصف القرن العشرين وحتى عام 1989 بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفائهما، أي بين قوة البر الرئيسية المتمثلة بالأوراسيا أو المنطقة الآسيوية الأوروبية التي كانت تهيمن عليها الشيوعية، وبين قوة البحر الرئيسية التي تمثّلها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، و"كل تاريخ الصراع بين البر والبحر هو محاولة التحكم بهذه المنطقة، فمن يمسك زمام الموقف فيها من القوى العالمية يمكن أن يرجّح كفة على الأخرى"[5] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn5)، لذلك، احتل اليمن الجنوبي آنذاك أهمية استراتيجية لدى الاتحاد السوفياتي الهادف للاقتراب من منابع النفط وتطويق دول الخليج ذات المنحى الأطلسي، والتحكم بأحد أهم المضائق في العالم (باب المندب) بالتزامن مع تنامي الاختراق الشيوعي في دول القرن الإفريقي.
من هنا، قد يبدو أن المنطقة المحصورة بين فكّي كماشة، هي ضحية موقعها المتوسط، وأن دورها الاستراتيجي لا يمكن أن يزيد عن الدور التقليدي للدول الحاجزة التصادمية، ولكن الحقيقة أن هذه الخصائص يمكن أن تكون عامل قوة لهذه المنطقة إذا ما جمعت قواها في تكتلات أو قطاعات إقليمية كبيرة، فحينئذ يمكن لها أن تلعب دوراً مختلفاً تماماً[6] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn6).
ومع سقوط الاتحاد السوفياتي، تمدّدت قوة البحر (الولايات المتحدة) نحو أطراف الأوراسيا فراحت تقضمها تدريجياً وتضمها إلى حلف الأطلسي ولتهدّد القلب نفسه: روسيا. ومن معالم السيطرة الأمريكية المباشرة على منطقة الارتطام، تدمير العراق عام 1991 ثم غزوه عام 2003، دون معارضة ذات شأن، وبروز إسرائيل كقوة إقليمية كبرى لا منازع لها في المنطقة، رغم جغرافيتها المحدودة، اعتماداً على الدعم الأمريكي عسكرياً ومالياً.
لكن الردّ الاستراتيجي لم يكن تقليدياً، ولم يعتمد على النظريات الجيوبوليتيكية التقليدية. صحيح أن القوة الأوراسية الرئيسية (روسيا) تحاول استعادة مجالها الحيوي، بعد عشرين سنة من التخبّط، وأن قوة صاعدة هي الصين قد تقوم بإعادة تشكيل القوة البرية الأوراسية، خلال عقدين آتيين، لكن ظهور الجماعات المنافسة للدول أو الرديفة لها في منطقة الارتطام السابقة، (القاعدة وحلفاؤها)، ومشاغلتها القوة المهيمنة في أقاليم ذات قيمة حيوية (العراق والجزائر) ومغالبتها في أقاليم أخرى (أفغانستان وباكستان والصومال)، قد غيّر من قواعد اللعبة، وجعلها أكثر تعقيداً بكثير، ما سمح بظهور لاعب إقليمي مثل إيران، يبسط النفوذ، في المنطقة المتوسطة بين البر والبحر، من داخل المظلة الأمريكية حيناً وبالتعارض معها حيناً آخر، وبالإفادة استراتيجياً من الحصائل الميدانية للجماعات الجهادية غير التقليدية، والتي تُثخن في القوة العظمى الوحيدة.
هكذا، نشب صراع حادّ مثلث الأضلاع، في العراق، حيث كان على القاعدة أن تهزم مشروعين استراتيجيين متقاطعين ومتنافسين في وقت واحد: المشروع الإمبراطوري الأمريكي من جهة، ومشروع الهلال الإيراني من جهة أخرى، ونجحت في إرباك المشروعين معاً وتعديل برنامجهما الزمني في مرحلة أولى، ثم استنزافهما ودفعهما إلى مراجعة الحسابات في مرحلة تالية، فيما اشتعلت المواجهة في مناطق التخوم: المغرب الإسلامي، في إفريقيا الشمالية أو منطقة التماس مع أوروبا (من الجزائر وإلى شواطئ الأطلسي غرباً، ومنها إلى ما وراء الصحراء جنوباً)، وفي القرن الإفريقي حيث الثروات الدفينة وطرق النفط الحيوية، (الصومال)، وفي شبه القارة الهندية (أفغانستان وباكستان والهند) بالتماس مع القوى الصاعدة الجديدة، الهند والصين، وفي شمالي القوقاز في الطرف الجنوبي للقوة الروسية المتجدّدة. ومع إعلان تنظيم القاعدة عن فتح جبهة جديدة في اليمن، يكون المشهد الاستراتيجي قد أعيد رسمه بطريقة مغايرة، حيث تنطلق قوى التغيير من مناطق طَرَفية هامشية نحو القلب الجيوبوليتيكي للمنطقة، الجزيرة العربية، والذي بات منذ فترة طويلة "قلباً ميتاً" من الناحية الديموغرافية[7] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn7)، لكنه يتمتع بأهمية معنوية واستراتيجية هائلة، وهي قابلة للتضاعف في العقدين المقبلين، بسبب احتوائه على أهم مخزون للنفط في العالم، فيما صراعات القرن الحالي ستكون على هذه المنطقة، وحولها. وعليه، كلما اقتربت القاعدة من القلب اهتز العالم، فما زال الرهان قائماً على هذه المنطقة بالذات، لتوفير مادة النفط، بل إن العالم في عام 2025، سيكون في منتصف المرحلة الانتقالية الأساسية على صعيد أنواع الوقود والموارد، ولن يكون إنتاج الطاقة التقليدية والمستحدثة خارج الأوبك بقادر على تلبية الطلب.
أما مستويات الإنتاج لبعض الدول التقليدية مثل اليمن والنرويج وعُمان وكولومبيا وبريطانيا وأندونيسيا والأرجنتين وسوريا ومصر والبيرو وتونس فهي الآن في انخفاض. فيما استُنزف إنتاج دول أخرى مثل المكسيك وبروناي وماليزيا والصين والهند وقطر، وسيتراجع عدد الدول القادرة على توسيع إنتاجها، وثمة ستة دول فقط ستمثّل 39% من الإنتاج الإجمالي للنفط في ذلك العام، وهي السعودية وإيران والكويت والإمارات المتحدة والعراق (احتمالاً) وروسيا، وأكبر الدول المنتجة ستكون في الشرق الأوسط، والذي يضم حوالي ثلثي الاحتياط العالمي في الخليج، وسيرتفع إنتاج دول الخليج الأعضاء في الأوبك حوالي 43% وستمثّل السعودية وحدها نصف إنتاج الخليج، وهي كمية أكبر مما هو متوقع استخراجه من إفريقيا وحوض بحر قزوين معاً[8] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn8).
شخصية
يمتد اليمن على معظم الطرف الجنوبي للجزيرة العربية بين عُمان والسعودية، بإزاء مضيق باب المندب، الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، عبر خليج عدن، ويضم إليه جزيرة بريم في النهاية الجنوبية للبحر الأحمر، وجزيرة سوقطرة على مدخل خليج عدن. يبلغ طول الحدود 1746 كلم، منها 1458 كلم مع السعودية شمالاً، و288 كلم مع عُمان في الشمال الشرقي، وثمة 1906 كلم من شواطئه على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر. الداخل الجبلي محاط بسهول ساحلية ضيقة، إلى الغرب والجنوب والشرق، وتمتد أرض صحراوية شمالاً، على الحدود مع السعودية. أما تهامة فهي ساحل شبه صحراوي على طول البحر الأحمر.
تتراوح ارتفاعات الجبال بين مئات الأمتار إلى أعلى نقطة وهي جبل النبي شعيب، بارتفاع 3760 متراً، فوق سطح البحر. وتتخلل المناطق المرتفعة الوديان والأنهار الموسمية، لا سيما وادي حضر موت شرقي اليمن. المناطق العليا ذات تربة خصبة بخلاف المناطق السفلى التي هي قليلة السكان. وتتفاوت الحرارة بين المناطق المختلفة، فالمناخ حار وجاف في الشرق والصحراء في الشمال، والحرارة مرتفعة في الساحل مع رطوبة أكبر. الأمطار محدودة بتفاوت حسب المناطق، وهي قليلة عموماً وتتراوح بين 120 و130 ملم سنوياً. وبالإجمال، فإن جغرافية اليمن وعرة تتخللها سلسلة من الجبال والأودية الممتدة بموازاة البحر الأحمر ثم تمتد غرباً نحو عُمان والخليج، وكانت الجبال مغطاة بالأشجار قبل أن تنالها يد الإنسان، حيث لا تغطي الأشجار الآن سوى 1% فقط من مساحة اليمن.
هذا التنوع الجغرافي بين نمطين رئيسيين، يحدّد المميزات والعوائق أمام أي حركة جهادية، فتضاريس اليمن ولا سيما في الشمال، تشابه تضاريس أفغانستان. وبين عامي 1962 و1967 تورّط نحو 40 ألف جندي مصري، (وبعضهم يوصل الرقم إلى 85 ألفاً)، في قتال مرير دعماً للثورة الموالية لعبد الناصر، ولإقفال الطريق أمام السعودية نحو المحيط الهندي، ما جعل اليمن يتحوّل إلى فيتنام مصر، وهو الذي يتمتع بمناطق جبلية وعرة، فيما المجتمع قبلي وشديد المراس، والسلاح الفردي منتشر على نطاق واسع، حتى إن المصريين استعملوا الغاز في المعارك دون جدوى[9] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn9).
بالمقابل، ثمة أفضلية كبرى لليمن الموحد على أفغانستان، بسبب طول شواطئه البحرية، بل هو يشرف على ممرات استراتيجية. وبحر العرب بالذات، يصل إلى مضيق هرمز ودول الخليج ما قد يكون ميداناً ملائماً للتحركات البحرية السريعة، وليست عمليات القرصنة التي يقوم بها بعض الصوماليين في هذه المنطقة بالذات سوى نماذج بسيطة لما يمكن أن يتيحه المجال البحري من إمكانيات الحركة، والاستعصاء على الحصار. لكن من ناحية أخرى، تتيح الشواطئ الطويلة إمكانات واسعة للإنزال والاختراقات العميقة نسبياً. وإذا كانت السواحل والمناطق المنخفضة هي المواقع الأكثر ملاءمة من حيث البيئة الدينية، والتحضر المدني، فإنها هي الأكثر عرضة للهجمات المضادة حيث لا تتميز بتضاريس منيعة، بخلاف المناطق الجبلية المعمورة بفئات مخالفة، أو محكومة باعتبارات قبلية، والتي هي بسبب فقر أحوالها تعتمد على أعطيات الدولة أو مِنح جهات خارجية.
وفي مستوى آخر، فإن اليمن الكبرى أو اليمن الطبيعية والتاريخية هي أكبر من اليمن الحالي بثلاث مرات، حيث تبلغ مساحتها الإجمالية مليون و600 ألف كلم مربع، وتشمل منطقة الربع الخالي التي تبلغ مساحتها 700 ألف كلم مربع. وحدودها الحجاز ونجد وقطر والخليج العربي شمالاً، وخليج عدن جنوباً، وخليج عُمان شرقاً والبحر الأحمر غرباً[10] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn10). والفارق الكبير بين اليمن السياسي واليمن الطبيعي، هو من المميزات الجيوبوليتيكية المحتملة، بمعنى أن المجال الحيوي البشري لليمن يتخطى الحدود الرسمية الموروثة عن فترة الاستعمار في الجنوب، أو تلك حدّدتها النزاعات السابقة مع السعودية شمالاً، رغم اتفاق جدة بين اليمن والسعودية عام 2000 والذي وضع حداً للنزاع التاريخي بينهما. فثمة تداخل قبلي على جانبي الحدود، كما أن هناك مناطق يمنية احتلها الجيش السعودي في فترة تأسيس الدولة السعودية الحالية، مثل عسير ونجران، ما يعني وجود امتداد بشري مهم داخل المجتمع السعودي يعزّزه العمال اليمنيون والذين يعدّون عادة بمئات الآلاف. وإلى ذلك، يبلغ سكان اليمن حوالى 23,822 مليون نسمة حسب تقديرات تموز (يوليو) عام 2009[11] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn11)، حيث معدل نمو السكان 3,46% ومعدل الخصوبة 6,41 لكل امرأة. ومن المتوقع أن يزيد العدد 50% بحلول عام 2025[12] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn12)، وهو ما يضاعف الثقل الديمغرافي لليمن في جزيرة العرب، بمقابل العدد الإجمالي لسكان مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسه السعودية، حيث تؤكد بعض الدراسات أن عدد سكان السعودية يبلغ حالياً 28,686مليون نسمة حسب إحصاء تموز (يوليو) عام 2009 منهم نحو 5,576 ملايين أجنبي غير سعودي[13] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn13). ويتزايد عدد سكان السعودية سنوياً بنسبة تبلغ 1.848%بالمائة تقريباً، وتتوقع تلك الدراسات، بأن يصل عدد السكان القاطنين في السعودية في عام 2025 إلى حوالي أربعين مليون نسمة.
70% من سكان اليمن من أهل السنة والبقية شيعة زيدية مع بضعة آلاف من الإسماعيلية، حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحريات الدينية في العالم لعام 2006[14] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn14). ويتركز الزيدية في القسم الشمالي الجبلي وصولاً إلى الحدود السعودية اليمنية، فيما ينتشر أهل السنة في المناطق المنخفضة والسهول الساحلية، جنوباً وغرباً وشرقاً، على وجه الخصوص، وهو ما يحكم حركة أي تيار جهادي من حيث التوزيع الجيوبوليتيكي الداخلي، لا سيما وأن إيران عملت طيلة العقدين الماضيين على استرداد الزيدية كما هو دأبها مع كل الأقليات ذات الأصول الشيعية في العالم الإسلامي. وكان من نتاج هذا الجهد، تأسيس تنظيم الشباب المؤمن في صعدة وجوارها شمالاً، بقيادة حسين الحوثي ثم والده بدر الدين ثم شقيقه عبد الملك، وخوضه فترات من القتال مع السلطة بين عامي 2004 و2008، سميت بالحروب الخمسة، والآن تعيش صعدة حرباً سادسة في لحظة حرجة من عمر النظام[15] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn15).
اقتصادياً، يعتمد اليمن في 90% من موارده على النفط، لكن البنك الدولي يتوقع أن ينحسر إنتاجه ما بين عامي 2009 و2010، وأن يتوقف تماماً عام 2017[16] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn16)، ما يعني أن اليمن مع مشكلاته الداخلية والتوترات بين الشمال والجنوب، وتمرد الحوثيين الذي يتجدد بين فترة وأخرى، ومع الزيادة السكانية الكبيرة من الآن وحتى عقد ونصف العقد، يتجه لأن يكون دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، إلا إذا سعت جهات خارجية في مدّ يد العون باستمرار حتى لا يقع المحظور، لكن ومع اشتداد الأزمة المالية العالمية، فإن احتمالات توفير السيولة اللازمة تتضاءل.
سياسياً، ينبئ التاريخ الحديث لليمن، عن علاقة قلقة بين السعودية واليمن، تتراوح بين التحالف والتخالف وتصل أحياناً إلى القتال، ويمكن إضافة أسباب جيوبوليتيكية إلى الحذر المتبادل، فالموقف السعودي التقليدي يحاذر من قيام يمن قوي، أو أن ينضم اليمن إلى تكتلات إقليمية تهدّد التوازن القائم، كما أن السعودية كانت تطالب على الدوام بمنفذ بري إلى المحيط الهندي، تجنباً لمشكلات البحر الأحمر، ورفض اليمن للمطلب السعودي ليس باعتباره انتهاكاً لسيادته فقط، بل لعدم رضى اليمن عن تجاوز مضيق باب المندب. وعندما قامت الجمهورية العربية المتحدة، أواخر الخمسينات انضم إليها الإمام أحمد لفترة، وكان عبارة عن تحالف الدول الفقيرة ضد الدول الغنية. ثم انضم اليمن الموحد إلى مجلس التعاون العربي الذي أنشأه صدام حسين بعد حرب الخليج عام 1989، وضم أيضاً الأردن ومصر، وهي الدول التي ساعدت العراق خلال الحرب، وكان أيضاً تحالف الفقراء ضد الأغنياء، إذ خرج العراق منهكاً من الحرب مع إيران ورفضت دول الخليج مساعدته للخروج من أزمته، واعتبرت السعودية هذا المجلس تهديداً مباشراً لها لأن أعضاءه تحيط بها جغرافياً. وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية، عام 1991، وسقوط الاتحاد السوفياتي في العام ذاته، لم يعد ثمة مانع أمريكي من فشل الدول، بل رأى مسؤولون أمريكيون آنذاك أن الأمر لا رادّ له، وإذ ذاك حاول اليمن الجنوبي الانفصال عن صنعاء عام 1994، بدعم سعودي. لكن اليمن الشمالي أفشل المحاولة بعد ثلاثة أشهر من القتال. بعد ذلك، حرّك السعوديون قواتهم إلى عسير المتنازع عليها، وفيها آبار نفط مكتشفة ووقعت اشتباكات عدة، كما نزلت قوات أريتيرية في جزيرة حنيش الكبير، وحاولت الاستيلاء عليها، في محاولة للسيطرة الإسرائيلية على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر بأيدي أريتيرية. أخيراً، قررت السعودية حلّ النزاع بالتفاوض، لأن القتال العنيف من جانب اليمنيين الخارجين للتو من حرب ضارية، قد يُحرج العائلة الحاكمة. وفي مجتمع قبلي فإن القدرة القتالية هو أول سمات الزعامة، وإذا فشل النظام فلن يمكنه الحصول على الولاء الكامل من أتباعه، ما يعني زعزعة سيطرة آل سعود، لذلك فإن استقرار اليمن ضرورة لمصالح أمريكا وحلفائها، وإغفال اليمن يعني انهيار المنظومة الأمنية في الخليج[17] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn17).
محاور
لقد افتقد اليمن في عصور الانحطاط دوره المحوري في منطقة شرقي إفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وذلك في فترة مبكرة من التراجع الإسلامي العام، الذي استمر لقرون عدة، رغم أنه يتمتع بموقع استراتيجي مميز، يؤهله لدور جيوبوليتيكي طموح. فالحملات البرتغالية ثم البريطانية على أطراف العالم الإسلامي، أقامت قواعد ومحطات قرب الممرات الحيوية. وأسقطت أولاً المحيط الهندي، ثم جعلت من البحر الأحمر بحيرة داخلية، قبل أن يقوم الفرنسيون بحفر قناة السويس 1875، فعادت للأحمر أهميته لكن كممر للتجارة العالمية عبر المتوسط الذي صار المجال الحضاري المتقدم مع بروز أوروبا كقوة متفوقة. وهكذا، أصبح اليمن في القرن التاسع عشر جزءاً عضوياً من شبكة المصالح الإمبراطورية البريطانية، أي عدن تحديداً، وبقي الشمال معزولاً خارج العالم المتحضر. فالمعادلة كانت (عدن-قناة السويس)، وما زالت المعادلة قائمة حتى الآن، ما دام حوض البحر الأحمر في حكم الموات الجيوبوليتيكي، ابتداء من مصر التي تتحول من مكان سكن إلى مقبرة بحجم دولة، بسبب إسرائيل وبترول العرب والانقلاب الكوني لمصلحة الولايات المتحدة[18] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn18)، إلى الصومال الممزق أشلاء، ومن اليمن البائس إلى السعودية بلد الخواء الاستراتيجي، فالأردن الدولة الحاجزة المانعة، وإسرائيل بدورها المفترض، وهو حماية المصالح الغربية، أي حراسة النفط وطرق إمداداته من جهة، ومحو عناصر القوة الكامنة في البحر الأحمر وما يليه إلى المحيط الهندي.
لذلك، فإن أي مشروع جيوبوليتيكي جهادي يتخذ من اليمن ملاذاً جغرافياً آمناً لتجميع القوى، ثم قاعدة انطلاق نحو الأبعاد الاستراتيجية التي يتيحها الموقع المشرف على طرق تقاطع القوى الكبرى المتصارعة، يجب أن يراعي المعطيات الثابتة والجارية في آن، والتي راحت تشير كلها إلى أن ثقل الاقتصاد العالمي يتجه من الغرب إلى الشرق، بخطوات متسارعة، وأن المحيط الهندي ستتفاقم أهميته الاستراتيجية في السنوات المقبلة، مع نهوض الصين لحماية طرق إمدادات النفط من الخليج وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما يعني ذلك من تنافس مع اليابان والهند، وتزاحم مع القواعد والأساطيل الأمريكية التي تهيمن على المضائق عبر المحيطات.
وفيما يلي عرض للحراك الاستراتيجي الجاري بالقرب من اليمن وفي دوائره المختلفة المحاور:
أولاً: شمالاً نحو المتوسط:
إن أهمية مضيق باب المندب واليمن استطراداً فيما يخص هذا المحور، باتت مرتبطة عضوياً بالأهمية الحيوية لقناة السويس حيث طريق الشحن البحري الرئيسي بين الشمال الأوروبي والشرق الأقصى مروراً بالمنطقة العربية والقرن الإفريقي. وهو يكاد يكون الممر البحري الوحيد، بين القارات الثلاثة: أوروبا وإفريقيا وآسيا، باعتبار أن الخيار البديل هو الالتفاف حول إفريقيا أو استخدام الطرق البرية. لذلك تتضافر الجهود الأمريكية والأوروبية واليابانية والصينية والروسية والهندية لضمان أمن تلك المنطقة ضد موجة القراصنة الصوماليين الذين ينشطون في خليج عدن، ويهدّدون بحر العرب.
ولا يمكن الحديث عن البحر الأحمر باعتباره امتداداً للبحر المتوسط، دون تناول مصر، البلد المميز بموقعه، والتابع جيوبوليتيكياً الآن للمشروع الإسرائيلي الغربي، والمعزول جغرافياً بقرار سياسي استراتيجي، بعد اتفاقيات كمب ديفيد عام 1979، ما ينشر آثاره السلبية على مجمل المجال العربي الإسلامي. فرغم أن "مصر في إفريقيا موقعاً فقد كانت أبداً في آسيا وقعاً.. والانحدار التاريخي والجاذبية الجغرافية هي أساساً نحو الشمال الشرقي. إذاً البعد الآسيوي هو البعد المحوري في توجيه مصر الخارجي، وهو علاقة أخذ وعطاء من طرفين تمتاز بالاستمرار والاطراد دون ذبذبة أو تقطع. ومنذ ما قبل العالم العربي الحالي كانت لمصر علاقة حيوية مع الحلقة السعيدة، وهي تلك الحلقة من الأراضي الخصيبة أو الأكثر غنى التي تحيط بالجزيرة العربية"[19] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn19).
إن البحر الأحمر كان أحد محاور انتقال التأثيرات الحضارية من مصر إلى إفريقيا، إلى جانب النيل والصحراء الكبرى. وهو دهليز طويل يفضي بمصر إلى غرب الجزيرة العربية حتى اليمن مثلما كان طريقاً لها إلى القرن الإفريقي. وإن دور مصر نفسها في البحر الأحمر أكبر نسبياً من دورها في البحر المتوسط، بمعنى أن دولاً أخرى مطلّة عليه قامت بأدوار أكبر، لكن مصر من بين كل الدول المطلّة على البحر الأحمر هي التي قامت بأهم وأخطر دور فيه حتى قد يقال إنه بحر مصري إلى حدٍّ ما. فثقل مصر السكاني يختلف في المتوسط عنه في الأحمر اختلافاً نسبياً مؤثراً. ولعل مصر كانت القوة العسكرية الوحيدة على الإطلاق بمعنى الكلمة في البحر الأحمر طوال التاريخ. فهي بلا نزاع محور استراتيجية البحر الأساسية والحربية، والمنوط بها الدفاع عنه قبل أي أحد، وهي وإن لم تكن صاحبة أطول ساحل على الأحمر، إنما السعودية، فإنها تملك أخطر ساحل وموقع في البحر جميعاً. ولفترة طويلة منذ إسرائيل، كان يختطّ البحر في الاستراتيجية السياسية والعسكرية، وخاصة في الاستراتيجية البحرية محوران قاطعان ومتقاطعان، كسيفي المبارزة، محور إسرائيل أثيوبيا (قبل استقلال أريتريا) ومحور مصر واليمن، وكان المحور الثاني هو الأغلب، بشهادة حرب أكتوبر حين تمكنت البحرية المصرية من إغلاق البحر وحصاره فيه بحرياً بعد قفل مفتاح البحر من قطبه الشمالي إلى قطبه الجنوبي[20] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn20). لكن التدهور اللاحق بمكانة مصر بعد السلام مع إسرائيل التي اخترقت غربي الحوض لا سيما أريتريا وأثيوبيا، وإنهاك السودان ومحاولة تفتيته إلى وحدات جغرافية متنازعة، وانتشار الاضطراب في مجمل دول القرن الإفريقي تثير شكوكاً حول هوية البحر الأحمر الآن، والأقرب أنه أشبه ما يكون ببحيرة أمريكية إسرائيلية.
وإذا كانت مصر هي قلب العالم العربي كما يقال في الأدبيات القومية، وهذا القلب مريض راهناً من وجهة النظر الجيوبوليتيكية، فإن الآثار بالغة السوء على مجمل المنطقة وتوازنات القوى فيها، إن بمواجهة إسرائيل أو في وجه تمدّد إيران تحت شعارات الثورة الإسلامية ورايات آل البيت، وهذا ما يجعل مراكز الثقل تنتقل إلى الأطراف الجغرافية ذات المواقع الحساسة، وإن كانت لا تتمتع حالياً بالقدر ذاته من الثقل الديموغرافي أو الثروة الدفينة أو الإنتاج المادي.
فالبحر الأحمر مهمّ في التاريخ والسياسة والاستراتيجية، أما المتوسط فقد لا يكون أكثر من بحر قاري جغرافياً، لكنه تاريخياً بحر البحار. إنه البحر المحيط، ولا يفوقه من محيطات الأرض الحقيقية أهمية في التاريخ إلا الأطلسي وحده. وإن العلاقة بين البحرين الأحمر والمتوسط، قد لا تخلو بالضرورة من قدر من التنافس والشدّ والجذب عبر العصور المختلفة والمتعاقبة. والخلاصة أن البحر الأحمر، سيستعيد أهميته الاستراتيجية - حسب الجغرافي المصري جمال حمدان - بشروط أهمها تحرر العالم الثالث وتقدم المناطق المدارية وإفريقاسيا (المنطقة الإفريقية الآسيوية) والمحيط الهندي على المستوى الخارجي، باستثناء أن الخطر الإسرائيلي يمكن أن يحدّ كثيراً من إمكانيات انطلاق السويس[21] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn21).
وما يحدث الآن، أن طفرة اقتصادية وعسكرية يشهدها المحيط الهندي، بقيادة الصين ثم الهند، لكن المنطقة الإفريقية الآسيوية تتراجع بشكل مأساوي، بسبب السياسات التفضيلية المعطاة من النظام الدولي إلى إسرائيل، فلكي تبقى الدولة اليهودية واحة تقدم، يجب أن يبقى المحيط كله صحراء!
ثانياً: غرباً إلى القرن الإفريقي
يقابل اليمن غرباً مجال جيوبوليتيكي مهم، وهو ما يُعرف بالقرن الإفريقي الذي يعاني منذ سنوات طويلة من اضطرابات وقلاقل لا تعرف نهاية، وإذا كانت أمريكا قد سمحت لأثيوبيا باجتياح الصومال أواخر عام 2006، حتى تتولى بالنيابة عنها إزاحة المحاكم الإسلامية، فإن اللجوء إلى أحد زعماء المحاكم شيخ شريف شيخ أحمد، لإخراج أديس أبابا من الصورة، يؤكد حرج الموقف الأمريكي وعدم القدرة على التدخل المباشر، ما يزيد من أهمية اليمن كدولة مستقرة نسبياً بالمنظور الأمريكي.
يعادل القرن الإفريقي الكبير نصف مساحة الولايات المتحدة، ويضم السودان وأريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا وأوغندا، وهو المنطقة الأكثر سخونة في العالم حيث وقعت فيه الحروب الأكثر عنفاً في نصف قرن، وما تزال فيه أزمتان رئيسيتان: أزمة السودان: في الشرق (دارفور) وصولاً إلى شرقي التشاد وشمال شرقي إفريقيا الوسطى، وفي الجنوب امتداداً إلى شمالي أوغندا، حيث يتبادل السودان والدول المجاورة له دعم حركات التمرد. والثانية الصراع بين أريتيريا وأثيوبيا، والذي امتد إلى الصومال.
ورغم أنالحرب انتهت رسمياً في الجنوب، في كانون الثاني/يناير 2005، مع التوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية على أن يقرر الاستفتاء المقرر عام 2011 الوحدة أو الانفصال. لكن من المحتمل أن تعود الحرب إلى السودان لأن 80% من موارد النفط موجودة في الجنوب، وتدرّ على الحكومة 4 مليارات دولار سنوياً ولا يمكنها أن تقبل بنتيجة الاستفتاء المُفضية إلى الانفصال. أما اتفاق السلام حول دارفور فوُقِّع في أيار/مايو 2006، لكن لم يوافق عليه سوى فصيل واحد وعارضه البقية. وهذا النزاع امتد إلى التشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، وازداد الوضع صعوبة بعد اتهام الرئيس البشير بجرائم الحرب لدى المحكمة الجنائية الدولية.
أما مجموعة الأزمات الثانية فتتركز في الصومال وتتورط فيها أثيوبيا وأريتريا وشمال شرقي كينيا. إن الصومال هو البلد الوحيد في العالم الذي لا توجد فيه حكومة حقيقية منذ عام 1991، عندما أُطيح بحليف واشنطن محمد سياد بري. وقعت الحرب بين أثيوبيا والصومال ثلاث مرات بين عامي 1960 و1978. وعندما فازت أريتيريا بالاستقلال عن أثيوبيا أصبحت الأخيرة محصورة براً من دون منفذ على البحر. كانت العلاقات جيدة بين أسياس أفورقي وميليس زيناوي لكن سرعان ما اختلفا حول قضايا سياسية واقتصادية بسبب الحدود الغامضة، التي تجعل أثيوبيا في مأزق جيوبوليتيكي، انتهت إلى نشوب حرب ضارية في التسعينات، وفي عام 2000 وقّع البلدان على اتفاق سلام وعلى إحالة الخلاف الحدودي إلى لجنة دولية مستقلة قررت عام 2002 إعطاء منطقة بادمي إلى أريتيريا. فرفضت أثيوبيا ولم تنفذ التوصية فبدأت أريتيريا تغير سياساتها، وراحت تدعم جبهة التحرير الوطنية لأوغادين، وجبهة تحرير الأرومو، فيما دعمت أثيوبيا التحالف الديمقراطي الأريتيري.
وتقوم الاستراتيجية الأمريكية في القرن الإفريقي على ثلاثة أركان: الدعم غير المحدود تقريباً لحكومة أثيوبيا والتعاون الوثيق مع حكومة السودان لمكافحة الإرهاب، والاختراقات الموسمية والاستعراضية في الصومال لقتل أو اعتقال عناصر القاعدة. أما أثيوبيا فهي الحليف الأقرب إلى واشنطن في القرن الإفريقي الكبير، خلال العقد المنصرم. ورغم أن عدد المسلمين والمسيحيين يتساويان تقريباً، لكن النخبة السياسية والمثقفة كانت تاريخياً من المسيحيين، وفي عام 2001، أعلنت الولايات المتحدة أثيوبيا كحليف رئيسي في المنطقة لمكافحة الإرهاب. وهي تنظر إليه كبلد ذي أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، وبالمقابل بدأت تقلق من تصرفات أفورقي الذي يتقرب من إيران[22] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn22).
ومن أجل التحكم أفضل بالقرن الإفريقي وبطرقه البحرية وتسهيل مواجهة الإرهاب، فإن أمريكا موجودة الآن في جيبوتي المحمية التقليدية لفرنسا والتي تضم أكبر قاعدة في إفريقيا،فأنشأت عام 2002 في جيبوتي قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب وتحسين الأمن في أثيوبيا وأريتريا والسودان وكينيا والصومال واليمن والبحر الأحمر، وفي خليج عدن والمحيط الهندي. وتتطلع أيضاً إلى جزيرة سوقطرة التابعة لليمن، والتي تقع على بعد 400 كلم من السواحل اليمنية وهي ذات أهمية استراتيجية وقليلة السكان وتبدو بديلاً جيداً عن الوجود الأمريكي غير المرغوب فيه في خليج عدن بعد تدمير المدمرة كول عام 2000.
وكانت أريتريا عزّزت علاقاتها مع واشنطن حيث سمحت لها باستخدام منشآتها على سواحلها الممتدة على مسافة 1200 كلم على طول البحر الأحمر ووضعت بتصرفها ميناءي عصب ومصوع العميقي المياه إضافة إلى المطار الجديد في مصوع حيث بإمكانه استقبال أي حجم من الطائرات. كما منحتها الحق غير المحدود في الإقلاع من أراضيها وتبادل المعلومات المستقاة من الأجهزة الاستخبارية.
وتتمتع إفريقيا بموارد غير مستغلّة حتى الآن، فإضافة إلى احتياطات النفط، هناك الغاز الطبيعي التي تبلغ احتياطاته 8% من الاحتياطات العالمية المحققة، فيما يبلغ إنتاجه 5% من الإنتاج العالمي. ويأتي 15 % من استيراد أمريكا للنفط من بلدان إفريقية، ويجب أن ترتفع النسبة إلى 25% خلال العقد القادم مع توقعات العثور على آبار جديدة، وبالنظر إلى انخفاض النفط من بحر الشمال. وعليه، ستكون إفريقيا المورد المتزايد الأهمية للنفط والغاز الطبيعي. وتعتبر نيجيريا وأنغولا من بين البلدان العشرة الأولى التي تصدّر النفط إلى أمريكا. وتتراوح الاحتياطات المقدرة من مصدر إلى آخر، لكن أغلب التقديرات تشير إلى أنها تمثّل ما بين 7 إلى 9% من الاحتياطات العالمية، أي من 80 إلى 100 مليار برميل[23] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn23).
ثالثاً: جنوباً إلى المحيط الهندي
يؤكد الباحث البلجيكي روبرت ستيوكيرس (Robert steuckers) على الأهمية الكبرى للمحيط الهندي من أجل البناء الجيوبوليتيكي المستقبلي للأرض، ويعرّف المحيط الهندي بأنه المحيط المتوسط بين الأطلسي والهادئ، حيث يمتد بدقة في الوسط بين الساحل الشرقي لإفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ التي تقع فيها نيوزلندة وأستراليا وغينيا الجديدة وأندونيسيا والفليبين والهند الصينية. ويعتبر أن السيطرة البحرية على المحيط الهندي تمثل الموقع الأهم للتأثير الجيوبوليتيكي على أهم الآماد الكبرى الثلاثة دفعة واحدة، إفريقيا والحزام الأوراسي الجنوبي ومنطقة الهادئ. وعلى هذا، تنبثق الأفضلية الاستراتيجية لعدد من الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، وخصوصاً دييغو غارسيا الواقعة على بعد واحد من جميع المناطق الساحلية.
إن المحيط الهندي هو تلك المنطقة التي يجب أن تتركز عليها الاستراتيجية الأوروبية، فمن خلالها يمكن لأوروبا أن تؤثر على الولايات المتحدة وعلى الأوراسيا وعلى اليابان، والمواجهة الجيوبوليتيكية الحاسمة التي ستحدّد لوحة المستقبل في القون الواحد والعشرين ستجري في هذه البقعة دون سواها[24] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn24).
وتطبيقاً لهذه النظرية، يرى أن تحالفاً يجمع باريس وبرلين وموسكو، هو ضروري لأسباب دفاعية، وهو خطوة أولى باتجاه مشروع أكبر، لاستيعاب إيران والهند والصين واليابان، وأن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته إدارة بوش هدفه هو تصريف الصناعات، وإن محاولة استهداف إيران لا ترضي روسيا ولا الصين، لأن ضرب إيران يؤدي إلى تعديل جيواستراتيجي يقلّص المجالات البرية أمامهما ويحرمهما من منفذ على المحيط الهندي وهو هدف كل الفتوحات الإمبراطورية منذ العصور القديمة[25] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn25).
على مستوى آخر، ثمة اصطدام في المصالح بين الصين والهند من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، للوصول إلى المادة الأكثر حيوية اقتصادياً أي النفط. وهو ما سيشكّل المستقبل الاقتصادي والبيئي والجيوبوليتيكي لهذه البلدان الثلاثة والعالم أكثر من أي قضية أخرى. وإن الحفاظ على تدفق النفط الرخيص كان دائماً من الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية، وموقع أمريكا المتقدم في العالم يقوم أساساً على قدرتها تلك. لكن الصين والهند تخوضان المنافسة الحادة للحصول على حقوق التنقيب النفطي في إفريقيا وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. واستثمرت الهند أكثر من 3 مليارات دولار في مشاريع التنقيب عن النفط وأكدت أنها ستدفع ملياراً آخر سنوياً لمزيد من المكتسبات، فيما استثمرت الصين حوالي 15 مليار دولار في حقول النفط الأجنبية، ومن المتوقع أن تنفق أكثر بعشر مرات في العقد المقبل.
إن الصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة أي حوالي 6,5 مليون برميل يومياً، وسيتضاعف المعدل عام 2020. أما الهند، صاحبة ثاني اقتصاد في العالم من حيث سرعة النمو بعد الصين، فتستهلك حوالي 2,2 مليون برميل يومياً، كمثل استهلاك كوريا الجنوبية، ومن المتوقع ارتفاعه إلى 5,3 مليون برميل يوماً بحلول عام 2025[26] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn26).
وتسعى الصين القوة القارية المركزية منذ آلاف السنين لتصبح أيضاً قوة بحرية لتأمين مصالحها كقوة اقتصادية عظمى آخذة في النمو. وكل القوى العظمى عبر التاريخ أنشأوا قوة بحرية ملائمة للانفتاح على الخارج، والسيطرة على الممرات البحرية الكبرى ونقاط الارتكاز في المياه العميقة، مهما كان حجم السكان أو المدى الجغرافي الذي تحتله.
إن طموحات القوة الصينية لها علاقة بأمرين أولاً المطالبة بتايوان وعلى مستوى أوسع، تحديد نطاق المياه الإقليمية الصينية، وتحقيق هذه المطالب يرتبط بالدخول الحر إلى الفضاءات المحيطية الواسعة للمحيط الهادئ والممرات البحرية لجنوب شرقي آسيا، من شبه جزيرة الهند الصينية. وثانياً، حماية طرق الإمداد النفطي لبلد هو الثاني عالمياً من حيث استيراد النفط.
وكقوة بحرية، تحتل الصين حالياً المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وروسيا، قبل بريطانيا واليابان وفرنسا والهند وإيطاليا على التوالي. لكن للوصول إلى منابع النفط يجب دخول الأسطول الصيني إلى أعالي البحار، وفي مرحلة أولى فرض حضوره دون اعتراض بحري في غربي الخط الأخضر الممتد من ماليزيا مروراً بتايوان والفليبين، لا سيما البحرية اليابانية. وفي مرحلة تالية، ستحاول بكين الخروج من المياه القليلة العمق لبحر الصين، إلى المياه الزرقاء (العميقة)، في حوض ثانٍ ممتد من اليابان إلى أندونيسيا نحو غوام نقطة الدعم البحرية الجوية الأمريكية في الهادئ، والعائق الرئيسي أمام انتشار النفوذ الصيني الأسطول السابع الذي يحمي تايوان. وعندما تفتح الأقفال، يمكن للبحرية الصينية أن تنتقل إلى مرحلة تأمين الممرات البحرية لإمدادات النفط من جنوبي آسيا، أحدها يقود ناقلات النفط التي تحمل أقل من 100 ألف طن من إفريقيا والشرق الأوسط حتى بحر الصين عبر مضيق مالقا. وثمة ممر آخر يقود الناقلات الضخمة عبر مضائق سوند وغاسبار. والممر الثالث من أمريكا اللاتينية عبر الفيلبين. والرابع من الشرق الأدنى وإفريقيا يتعرج بين المضائق الأندونيسية، الفيلبين وغربي الهادئ قبل أن تصل الموانئ الصينية. لكن المشكلة الرئيسية تكمن في مضيق مالقا الذي يمر فيه 80% من النفط وهو خيار مزعج في أيام النزاعات، لذلك تسعى الصين إلى طرق بديلة عبر السكك الحديدية ولكنها صعبة التحقيق. وعلى هذا، تبني الصين سلسلة من القواعد الدائمة على سواحل المحيط الهندي والطرق البحرية الموصلة إلى مالقا: جزر الكوكوس في بيرمانيا وتشتاغونغ في بنغلاديش، وماراو في المالديف وغوادار في باكستان. وبانتظار ذلك، ثمة قواعد على الساحل الإفريقي منفتحة أكثر فأكثر على الاستثمارات الصينية. وتعتبر الصين أن لديها منافسيْن في المنطقة، وهما الهند واليابان. فللهند طموحات بحرية موازية ولديها أسطول في اتساع، والهدف الاستراتيجي هو جعل المحيط الهندي محيط الهنود، لذلك تنظر إلى استراتيجية القواعد الصينية وكأنه تدّخل في مجالها الخاص[27] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn27).
خاتمة
فقد اليمن الجنوبي موقعه الاستراتيجي بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الراعي السوفياتي لشيوعيي عدن، فكان المخرج هو الوحدة مع صنعاء عام 1990 بعد انفجار حرب الرفاق. لكن الوحدة أو الانفصال بين جزءي اليمن، مرتبطان بمصالح خارجية ونوازع داخلية، فإذا التقى الدعم الخارجي بميول داخلية تحرك الجنوب مجدداً، كما حدث عام 1994، حين قرر النظام الخليجي ولا سيما السعودية معاقبة صنعاء على تحالفها مع صدام في حرب الكويت، فوقعت حرب التوحيد قسراً، وانتهت بهزيمة الحزب الاشتراكي.
ولقد تعاملت السلطة اليمنية مع الجنوب كأرض مستباحة لمصالح الفئة الشمالية الحاكمة، لكن أن تتحرك القوى السياسية الجنوبية من أجل الانفصال علناً، بعد أكثر من 15 عاماً على الهزيمة، لا يمكن تفسيره فقط بنزعة داخلية تحررية. فالمطالب المعيشية أمر يمكن تفهّمه في أي بلد، لكن رفع سقف المطالب إلى حدّ الدعوة إلى الانفصال مجدداً، فهذا أمر يحتاج إلى موافقات النظام الدولي وتغطية دول إقليمية رئيسية، علماًأن ارتفاع حدة المنافسة على النفط ومواصلاته، بين القوى العظمى الراهنة والصاعدة، يزيد من أهمية اليمن الجنوبي المشرف على الممرات البحرية الدولية، مع تعاظم مؤشرات الفشل للدولة الموحدة في مقاربة الاهتزازات الأمنية والمآزق الاجتماعية. ويجب البحث عن محرّضات خارجية غير ظاهرة ومصالح واعدة وكامنة، لتفسير "الحراك الجنوبي". وكمثال، انتهت حركة التاميل الانفصالية في سريلانكا بعد تمرد دام 26 عاماً بدعم صيني ملموس، وسيكون الثمن حصول بكين على قواعد في الجزيرة[28] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn28)، إنفاذاً للقرار الاستراتيجي بتعزيز الهيمنة على الممرات البحرية الموصلة إلى منابع النفط، ولماذا لا يكون لمصالح ورهانات القوى الكبرى المتنافسة دور في تشجيع الانفصاليين الجدد في اليمن؟
وفي هذا السياق الذي يزداد اتضاحاً، ما هو الموقف الاستراتيجي للتيار الجهادي من أي حرب انفصالية جديدة؟ فهل تنضم قاعدة الجهاد إلى الجنوبيين ضد صنعاء في خط معاكس تماماً لما جرى عام 1994، حين دعم التيار الإسلامي عامة والجهادي خاصة، حرب الشمال على الجنوب؟ أم يقف الجهاديون على الحياد في هذه المعركة التي لن توفر أي يمني من شراراتها؟ أم تكتفي القاعدة بالاستفادة من حال الفوضى لتعزيز نواة الجهاد في الجنوب وصولاً إلى الشمال؟ إن تنظيم القاعدة بات عنصراً ضرورياً في أي نزاع مستقبلي، سواء في الشمال أو الجنوب، فهو عامل مستقل وهدفه مختلف جذرياً، وإن كان قد يلتقي في مرحلة أولى مع سلفيي الشمال ضد الحركة الحوثية، ومع الحراكيين في الجنوب ضد مظالم صنعاء، لكنه لن يكون الملاذ الآمن للسلطة المتهاوية والمستنزَفة في حروبها مع الحوثيين، ولن يكون عوناً لسقوط اليمن الجنوبي في لعبة المصالح الدولية، ما يعني أن اليمن لن يكون فقط قاعدة آمنة للقاعدة، بل ساحة جديدة شديدة التعقيد، تتطلب قراءة شمولية ودقيقة، قبل اتخاذ قرارات استراتيجية في هذا الاتجاه أو ذاك.
بالمقابل، تتحرك استراتيجية التطويق الإيرانية في أقصى الشمال، وهي ذات وجهين، الأول عَقَدي يهدف إلى كسب ولاء ما أمكن من الأقلية الزيدية وجرّها إلى المنظومة الإمامية، كما يجري في أماكن مختلفة من العالم العربي، والثاني سيناريو الخرق الجنوبي للجزيرة من خلال العامل اليمني المنتشر ديموغرافياً في العمق، وصولاً إلى مكة والمدينة، وهو ما يندرج ضمن الاستراتيجية الإيرانية المعروفة بالسيطرة على زمام العالم الإسلامي من خلال الاندساس التدريجي داخل مركز الثقل الرمزي والمعنوي الإسلامي.
ولما كانت الحركة السلفية الناشطة في اليمن، تشكل عائقاً مهماً في الشمال أمام تمدّد الحوثيين، فإن الصدام حتمي بين الطرفين، بغض النظر عن دور الجيش والقوى الأمنية، بل يمكن رصد محاولات السلطة لإدخال القبائل السنية طرفاً في الصراع، استخداماً لأدوات التحريض، بعدما أنهكت حروب الحوثيين السلطة مادياً ومعنوياً. وفي هذه المنازلة أيضاً، يبدو التيار الجهادي أمام معطى ميداني وسياسي من نوع جديد، فهل يدخل المعركة ضد الحوثيين لحساب صنعاء كما فعل إبان حرب الوحدة عام 1994 ضد الحزب الاشتراكي، أم يتخذ قرار الوقوف جانباً فلا يتدخل إلا لدى الحاجة، مع استكمال عناصر المعركة الرئيسية؟
وأخيراً، إن سيناريو العراق يتكرر بصورة مختلفة في اليمن، والحسابات القبلية والجهوية والمذهبية ستكون عوامل متداخلة في سير الأمور وتطورها، ما يجعل لزاماً على جهاديي اليمن، أن يقرأوا جيداً تجارب أفغانستان والعراق والصومال، وخصوصاً مع وجود تيارات إسلامية حركية وسلفية، وشخصيات دعوية لها وزنها الكبير في الشارع السني، ولكل منها اجتهاداتها وتحالفاتها وبرامج عملها وأساليبها مختلفة.
[1] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref1) - أنظر مقابلة النائب حميد الأحمر مع قناة الجزيرة، وفيها يذكر دعم صالح تنظيم "الشباب المؤمن" الحوثي في صعدة بداية الأمر لإحداث توازن مع الأطراف الأخرى، ثم امتناع الجيش عن حسم المعركة مع الحوثيين بأوامر عليا، خلال الحروب الخمسة السابقة كلما وصلت إلى نقطة حرجة، وهذا رابط الحوار: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B...93EF20A.htm#L4 (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B84C7C27-D3E8-40B9-8360-3D32893EF20A.htm#L4)
[2] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref2)- اقرأ مقال: الحوثية من إيران إلىحيدان، من منتدى مأرب برس، وهذا الرابط: http://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=3793
[3] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref3) - هذا رابط الحديث الصوتي لأبي بصير الوحيشي أمير تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب: http://www.youtube.com/watch?v=ebJgQM5zTd0 (http://www.youtube.com/watch?v=ebJgQM5zTd0)
والكلمة مفرغة على الرابط التالي: http://www.al-faloja.info/vb/showthr...E6%CD%ED%D4%ED (http://www.al-faloja.info/vb/showthread.php?t=62318&highlight=%C8%D5%ED%D1+%C7%E1%E6%CD%ED%D4%ED)
[4] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref4) - جمال حمدان، صفحات من أوراقه الخاصة، مذكرات في الجغرافيا السياسية، دار الغد العربي، الطبعة الأولى، 1996، ص 96.
[5] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref5) - جمال حمدان، استراتيجية التحرير والاستعمار، كتاب الهلال، شباط/فبراير 1999، ص 265.
[6] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref6) - المرجع نفسه، ص 266.
[7] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref7) - جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، عالم الكتب (القاهرة)، 1990، ص 23.
[8] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref8)-Global Trends 2025:A Transformed World, National intelligence council, 41-42.
[9] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref9)-YEMEN AND STABILITY IN THE PERSIAN GULF:CONFRONTING THE THREAT FROM WITHIN, Stephen C. Pelletiere, May 22, 1996, p.12.
[10] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref10) - حسين بن علي الويسي، اليمن الكبرى، كتاب جغرافي جيولوجي تاريخي، مكتبة الإرشاد (صنعاء)، الطبعة الثانية، 1991، ص 19-21.
[11] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref11)-CIA - The World Factbook, https://www.cia.gov/library/publicat...k/geos/ym.html (https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/ym.html)
[12] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref12) - للمزيد افتح هذا الرابط عن التطور الديموغرافي في اليمن: http://www.isn.ethz.ch/isn/Current-A...e-Study-Yemen/ (http://www.isn.ethz.ch/isn/Current-Affairs/Special-Reports/Demography-and-Development/Case-Study-Yemen/)
[13] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref13)-https://www.cia.gov/library/publications/the-world- (https://www.cia.gov/library/publications/the-world-)actbook/geos/sa.html
[14] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref14)-http://www.state.gov/g/drl/rls/irf/2006/71436.htm
[15] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref15) - للحصول على معلومات تفصيلية عن محافظة صعدة، افتح هذا الرابط: http://www.yemen-nic.info/*******s/B...rase_id=611397 (http://www.yemen-nic.info/*******s/Brief/detail.php?ID=7634&phrase_id=611397)
[16] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref16)- http://en.wikipedia.org/wiki/Economy...en#Oil_and_gas (http://en.wikipedia.org/wiki/Economy_of_Yemen#Oil_and_gas)
[17] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref17)-YEMEN AND STABILITY IN THE PERSIAN GULF:CONFRONTING THE THREAT FROM WITHIN. p.25-14.
[18] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref18) - مذكرات في الجغرافيا السياسية، ص 34.
[19] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref19) - جمال حمدان، تعدد الأبعاد والجوانب، مكتبة مدبولي، ص 21 و23 و29.
[20] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref20) - نحن وأبعادنا الأربعة، ص 14 و128و132و133 و134 و135.
[21] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref21) - نحن وأبعادنا الأربعة، ص 128-131.
[22] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref22)-Blowing the horn, John Prendergast and Colin Thomas-Jensen, From Foreign Affairs, March/April 2007.
[23] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref23)-Geopolitique de l'Afrique. Le retour de Washington sur le continent africain,Tanguy Struye de Swielande, Diplomatie Magazine, n°12 ( janvier-février 2005, pp.32-34).
[24] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref24) - الكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004، ص 190.
[25] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref25)-ALLIANCE, Pour une Grande Alliance eurasienne et ibéro-américaine, 17.06.2007.
[26] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref26)-Economy and Great Power Rivalry: The challenge to U.S. Global Dominance Shifts and Faultlines: What Is Happening and What It Might Mean , by Raymond Lotta,Global Research, August 5, 2008.
[27] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref27)-La Chine affirme ses ambitions navales, Olivier Zajec,Le Monde diplomatique, Septembre 2008.
[28] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref28) - اقرأ مقال عبد الله المدني: الدور الصيني في هزيمة تاميل سريلانكا، http://abdallahalmadani.blogunited.org/?p=121
تمهيد
اليمن تحت حكم علي عبد الله صالح على حافة التفكك، وهو يواجه ثلاثة أخطار معاً: الحوثيون في أقصى الشمال الغربي على الحدود مع السعودية، والحراك الجنوبي، الانفصالي التوجه، في اليمن الجنوبي السابق، وتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، في بؤر منتشرة بين الشمال والجنوب، مع ما يمكن أن يتسبب كل ذلك بتأثيرات استراتيجية على عدة دوائر جيوبوليتيكية بالغة الأهمية من منظور النظام الدولي وقواه العظمى المتنافسة على الطاقة وطرق مواصلاتها. وبدلاً من أن يكون اليمن الموحّد حجر الزاوية في موقع استراتيجي مميز، تحيط به انهيارات دول القرن الإفريقي غرباً وجنوباً، وتجاوره دول الانسداد السلطوي شرقاً وشمالاً، يكاد اليمن يكون الدولة الأكثر فشلاً بعد الصومال، مع تفكك البنية السياسية للنظام تدريجياً، وتهاوي أسسه القبلية والمناطقية، وانحسار موارد الدعم المرصودة له مقابل الدور المناط به، إن في مواجهة القاعدة، أو في معادلة التوازن الإقليمي.
فبعد وصوله إلى ذروة القوة، بعد انتصاره عام 1994 على الحزب الاشتراكي في الجنوب بتحالف وثيق مع التيار الإسلامي عامة، وتحقيقه وحدة اليمن لأول مرة في العصر الحديث، يصل علي عبد الله صالح إلى منعطف حاسم، ببروز الرغبة الدفينة بتوريث الحكم، كما هو حال كل الجمهوريات العربية الشقيقة، وإفلاس استراتيجية "فرّق تسدْ"، أي الاستعانة بفريق ضد آخر من خصوم النظام، وتعظيم مخاطر فشل الدولة في الداخل لاستدرار المال من الخارج[1] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1).
ومع هيمنة النزعة القبلية والجهوية إلى التميز المذهبي المنصبّ في أبعاد جيوبوليتيكية داخلية معقدة، يشكّل اليمن ساحة سانحة للتيار الجهادي في سياق الصراع العالمي المحتدم على المنطقة الغنية بالنفط، لكنه كما العراق، يحتمل تحديات وعوائق عدة. فاليمن سني بأغلبيته (شافعي وسلفي)، لكن البقية المكوّنة من الزيدية الأقرب إلى أهل السنة، والإمامية الاثني عشرية الأقل حجماً والأكثر تنظيماً، هي ضمن أهداف الخطة الإيرانية الشاملة لتطويق جزيرة العرب، بالأقليات الشيعية[2] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2). ورغم وجود تيار وحدوي تاريخي في اليمن، انبعث اتجاه انفصالي في الجنوب، يجد له كل يوم مبرّرات ومستندات من الواقع المعاش، وقد يعثر على رعاية دولية معينة كما هو حال كردستان العراق. وبين هذه وتلك، احتمالات غير ضعيفة لاندلاع نزاع قبلي على السلطة في صنعاء، وتوسع التمرد الحوثي المدعوم إيرانياً على الحدود مع السعودية باتجاه الصراع المذهبي السافر مع القبائل السنية في الشمال، وتعزّز إمكانيات الصدام بين الشمال والجنوب، عاجلاً لا آجلاً، وعلى طريقة حرب العصابات في مرحلة أولى، وصولاً إلى عودة اليمن الجنوبي دولة مستقلة، تقاطعاً مع مصالح إقليمية ودولية.
ويأتي موقف قاعدة الجهاد المؤيد لمظالم الجنوبيين ليزيد من غموض المشهد، مع أنه يقيم صلة وصل مع الحدث المتنامي ضمن السياق العام، ولا يؤيد الانفصال كمشروع يلتمس أُسُسه من المميزات القبلية والمذهبية والسياسية[3] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn3). ثم إن عمليات القاعدة ضد الأهداف التقليدية (السفارات الأجنبية ومظاهر النفوذ الغربي) تتقاطع مع مواجهات الحوثيين في الشمال مع قوات صنعاء، لجهة إسقاط هيبة النظام، وهو تقاطع ظرفي بين الجهاديين والحوثيين، على التناقض المعروف في الأهداف النهائية.
فما هي آفاق اليمن مع تفاقم عوامل الانهيار وتقاطعها بين داخل وخارج على تقويض السلطة القائمة دون بديل جامع؟ وهل يتحول اليمن قريباً إلى ساحة نزال ذي بعد إقليمي ودولي أكبر من الإطار السياسي الحالي؟ وما هي فرص قيام نواة جهادية صلبة تكون لها انعكاساتها على جزيرة العرب، وعلى المجال الجيوبوليتيكي في أكثر من اتجاه، خصوصاً إذا تفكّكت السلطة وباتت الدولة دويلات؟
قبل محاولة تلمّس الإجابات أو استيضاح معالم المرحلة المقبلة، لا بدّ من إعادة قراءة الموقع الاستراتيجي لليمن، لامتلاك بعض مفاتيح الفهم، إذ لا يمكن إدراك دور الأطراف الخارجية الضالعة في التململ الداخلي، أو المستفيدة منه لاحقاً، من دون رسم خارطة القوى الدولية المتصارعة على طريق النفط، أو رصد تأثيرات ما يجري حوالي اليمن من أحداث وسياقات لا تقل خطورة، كما أنه لا يمكن - من دون هذه القراءة الشمولية - رصد التأثيرات الممكنة للحراك اليمني ككل على موازين القوى في المستوى الإقليمي على الأقل.
مشهد
يقع اليمن جنوبي المنطقة المتوسطة الواقعة تاريخياً بين القوتين العالميتين: القوة البرية (روسيا الكبرى وما في مقامها) والقوة البحرية (أمريكا ومعها أوروبا الغربية)، وذلك وفقاً لنظرية الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر (Halford Mackinder) وتعديلاتها اللاحقة.
هذه المنطقة البَيْنية المتوسطة كانت منطقة النزاع الرئيسية بين الإمبراطوريات القديمة، ولم تنبعث كقوة عالمية إلا بعد ظهور الإسلام في جزيرة العرب، وانتصارها على قوى البر والبحر، الفرس والروم في ذلك الوقت، حيث تمكنت دولة الخلافة الإسلامية طوال قرون عدة من أن تقوم بدور وسطي جيوبوليتيكياً، رغم الحملات الشرسة عليها من البر ومن البحر. وما أن انتهت الكتلة الإسلامية الموحّدة نسبياً عقب هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، حتى اختل التوازن، بل أصبحت هذه المنطقة "منذ الاستعمار والسيادة الأوروبية والأمريكية مجرد إسفين ضخم في قلب العالم الكروي أو مجرد دينوصور منقرض ملقى كجثة شبه هامدة وسط العالم المعاصر"[4] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn4).
وكانت هذه المنطقة، خلال الحرب الباردة، مثار نزاع من منتصف القرن العشرين وحتى عام 1989 بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفائهما، أي بين قوة البر الرئيسية المتمثلة بالأوراسيا أو المنطقة الآسيوية الأوروبية التي كانت تهيمن عليها الشيوعية، وبين قوة البحر الرئيسية التي تمثّلها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، و"كل تاريخ الصراع بين البر والبحر هو محاولة التحكم بهذه المنطقة، فمن يمسك زمام الموقف فيها من القوى العالمية يمكن أن يرجّح كفة على الأخرى"[5] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn5)، لذلك، احتل اليمن الجنوبي آنذاك أهمية استراتيجية لدى الاتحاد السوفياتي الهادف للاقتراب من منابع النفط وتطويق دول الخليج ذات المنحى الأطلسي، والتحكم بأحد أهم المضائق في العالم (باب المندب) بالتزامن مع تنامي الاختراق الشيوعي في دول القرن الإفريقي.
من هنا، قد يبدو أن المنطقة المحصورة بين فكّي كماشة، هي ضحية موقعها المتوسط، وأن دورها الاستراتيجي لا يمكن أن يزيد عن الدور التقليدي للدول الحاجزة التصادمية، ولكن الحقيقة أن هذه الخصائص يمكن أن تكون عامل قوة لهذه المنطقة إذا ما جمعت قواها في تكتلات أو قطاعات إقليمية كبيرة، فحينئذ يمكن لها أن تلعب دوراً مختلفاً تماماً[6] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn6).
ومع سقوط الاتحاد السوفياتي، تمدّدت قوة البحر (الولايات المتحدة) نحو أطراف الأوراسيا فراحت تقضمها تدريجياً وتضمها إلى حلف الأطلسي ولتهدّد القلب نفسه: روسيا. ومن معالم السيطرة الأمريكية المباشرة على منطقة الارتطام، تدمير العراق عام 1991 ثم غزوه عام 2003، دون معارضة ذات شأن، وبروز إسرائيل كقوة إقليمية كبرى لا منازع لها في المنطقة، رغم جغرافيتها المحدودة، اعتماداً على الدعم الأمريكي عسكرياً ومالياً.
لكن الردّ الاستراتيجي لم يكن تقليدياً، ولم يعتمد على النظريات الجيوبوليتيكية التقليدية. صحيح أن القوة الأوراسية الرئيسية (روسيا) تحاول استعادة مجالها الحيوي، بعد عشرين سنة من التخبّط، وأن قوة صاعدة هي الصين قد تقوم بإعادة تشكيل القوة البرية الأوراسية، خلال عقدين آتيين، لكن ظهور الجماعات المنافسة للدول أو الرديفة لها في منطقة الارتطام السابقة، (القاعدة وحلفاؤها)، ومشاغلتها القوة المهيمنة في أقاليم ذات قيمة حيوية (العراق والجزائر) ومغالبتها في أقاليم أخرى (أفغانستان وباكستان والصومال)، قد غيّر من قواعد اللعبة، وجعلها أكثر تعقيداً بكثير، ما سمح بظهور لاعب إقليمي مثل إيران، يبسط النفوذ، في المنطقة المتوسطة بين البر والبحر، من داخل المظلة الأمريكية حيناً وبالتعارض معها حيناً آخر، وبالإفادة استراتيجياً من الحصائل الميدانية للجماعات الجهادية غير التقليدية، والتي تُثخن في القوة العظمى الوحيدة.
هكذا، نشب صراع حادّ مثلث الأضلاع، في العراق، حيث كان على القاعدة أن تهزم مشروعين استراتيجيين متقاطعين ومتنافسين في وقت واحد: المشروع الإمبراطوري الأمريكي من جهة، ومشروع الهلال الإيراني من جهة أخرى، ونجحت في إرباك المشروعين معاً وتعديل برنامجهما الزمني في مرحلة أولى، ثم استنزافهما ودفعهما إلى مراجعة الحسابات في مرحلة تالية، فيما اشتعلت المواجهة في مناطق التخوم: المغرب الإسلامي، في إفريقيا الشمالية أو منطقة التماس مع أوروبا (من الجزائر وإلى شواطئ الأطلسي غرباً، ومنها إلى ما وراء الصحراء جنوباً)، وفي القرن الإفريقي حيث الثروات الدفينة وطرق النفط الحيوية، (الصومال)، وفي شبه القارة الهندية (أفغانستان وباكستان والهند) بالتماس مع القوى الصاعدة الجديدة، الهند والصين، وفي شمالي القوقاز في الطرف الجنوبي للقوة الروسية المتجدّدة. ومع إعلان تنظيم القاعدة عن فتح جبهة جديدة في اليمن، يكون المشهد الاستراتيجي قد أعيد رسمه بطريقة مغايرة، حيث تنطلق قوى التغيير من مناطق طَرَفية هامشية نحو القلب الجيوبوليتيكي للمنطقة، الجزيرة العربية، والذي بات منذ فترة طويلة "قلباً ميتاً" من الناحية الديموغرافية[7] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn7)، لكنه يتمتع بأهمية معنوية واستراتيجية هائلة، وهي قابلة للتضاعف في العقدين المقبلين، بسبب احتوائه على أهم مخزون للنفط في العالم، فيما صراعات القرن الحالي ستكون على هذه المنطقة، وحولها. وعليه، كلما اقتربت القاعدة من القلب اهتز العالم، فما زال الرهان قائماً على هذه المنطقة بالذات، لتوفير مادة النفط، بل إن العالم في عام 2025، سيكون في منتصف المرحلة الانتقالية الأساسية على صعيد أنواع الوقود والموارد، ولن يكون إنتاج الطاقة التقليدية والمستحدثة خارج الأوبك بقادر على تلبية الطلب.
أما مستويات الإنتاج لبعض الدول التقليدية مثل اليمن والنرويج وعُمان وكولومبيا وبريطانيا وأندونيسيا والأرجنتين وسوريا ومصر والبيرو وتونس فهي الآن في انخفاض. فيما استُنزف إنتاج دول أخرى مثل المكسيك وبروناي وماليزيا والصين والهند وقطر، وسيتراجع عدد الدول القادرة على توسيع إنتاجها، وثمة ستة دول فقط ستمثّل 39% من الإنتاج الإجمالي للنفط في ذلك العام، وهي السعودية وإيران والكويت والإمارات المتحدة والعراق (احتمالاً) وروسيا، وأكبر الدول المنتجة ستكون في الشرق الأوسط، والذي يضم حوالي ثلثي الاحتياط العالمي في الخليج، وسيرتفع إنتاج دول الخليج الأعضاء في الأوبك حوالي 43% وستمثّل السعودية وحدها نصف إنتاج الخليج، وهي كمية أكبر مما هو متوقع استخراجه من إفريقيا وحوض بحر قزوين معاً[8] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn8).
شخصية
يمتد اليمن على معظم الطرف الجنوبي للجزيرة العربية بين عُمان والسعودية، بإزاء مضيق باب المندب، الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، عبر خليج عدن، ويضم إليه جزيرة بريم في النهاية الجنوبية للبحر الأحمر، وجزيرة سوقطرة على مدخل خليج عدن. يبلغ طول الحدود 1746 كلم، منها 1458 كلم مع السعودية شمالاً، و288 كلم مع عُمان في الشمال الشرقي، وثمة 1906 كلم من شواطئه على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر. الداخل الجبلي محاط بسهول ساحلية ضيقة، إلى الغرب والجنوب والشرق، وتمتد أرض صحراوية شمالاً، على الحدود مع السعودية. أما تهامة فهي ساحل شبه صحراوي على طول البحر الأحمر.
تتراوح ارتفاعات الجبال بين مئات الأمتار إلى أعلى نقطة وهي جبل النبي شعيب، بارتفاع 3760 متراً، فوق سطح البحر. وتتخلل المناطق المرتفعة الوديان والأنهار الموسمية، لا سيما وادي حضر موت شرقي اليمن. المناطق العليا ذات تربة خصبة بخلاف المناطق السفلى التي هي قليلة السكان. وتتفاوت الحرارة بين المناطق المختلفة، فالمناخ حار وجاف في الشرق والصحراء في الشمال، والحرارة مرتفعة في الساحل مع رطوبة أكبر. الأمطار محدودة بتفاوت حسب المناطق، وهي قليلة عموماً وتتراوح بين 120 و130 ملم سنوياً. وبالإجمال، فإن جغرافية اليمن وعرة تتخللها سلسلة من الجبال والأودية الممتدة بموازاة البحر الأحمر ثم تمتد غرباً نحو عُمان والخليج، وكانت الجبال مغطاة بالأشجار قبل أن تنالها يد الإنسان، حيث لا تغطي الأشجار الآن سوى 1% فقط من مساحة اليمن.
هذا التنوع الجغرافي بين نمطين رئيسيين، يحدّد المميزات والعوائق أمام أي حركة جهادية، فتضاريس اليمن ولا سيما في الشمال، تشابه تضاريس أفغانستان. وبين عامي 1962 و1967 تورّط نحو 40 ألف جندي مصري، (وبعضهم يوصل الرقم إلى 85 ألفاً)، في قتال مرير دعماً للثورة الموالية لعبد الناصر، ولإقفال الطريق أمام السعودية نحو المحيط الهندي، ما جعل اليمن يتحوّل إلى فيتنام مصر، وهو الذي يتمتع بمناطق جبلية وعرة، فيما المجتمع قبلي وشديد المراس، والسلاح الفردي منتشر على نطاق واسع، حتى إن المصريين استعملوا الغاز في المعارك دون جدوى[9] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn9).
بالمقابل، ثمة أفضلية كبرى لليمن الموحد على أفغانستان، بسبب طول شواطئه البحرية، بل هو يشرف على ممرات استراتيجية. وبحر العرب بالذات، يصل إلى مضيق هرمز ودول الخليج ما قد يكون ميداناً ملائماً للتحركات البحرية السريعة، وليست عمليات القرصنة التي يقوم بها بعض الصوماليين في هذه المنطقة بالذات سوى نماذج بسيطة لما يمكن أن يتيحه المجال البحري من إمكانيات الحركة، والاستعصاء على الحصار. لكن من ناحية أخرى، تتيح الشواطئ الطويلة إمكانات واسعة للإنزال والاختراقات العميقة نسبياً. وإذا كانت السواحل والمناطق المنخفضة هي المواقع الأكثر ملاءمة من حيث البيئة الدينية، والتحضر المدني، فإنها هي الأكثر عرضة للهجمات المضادة حيث لا تتميز بتضاريس منيعة، بخلاف المناطق الجبلية المعمورة بفئات مخالفة، أو محكومة باعتبارات قبلية، والتي هي بسبب فقر أحوالها تعتمد على أعطيات الدولة أو مِنح جهات خارجية.
وفي مستوى آخر، فإن اليمن الكبرى أو اليمن الطبيعية والتاريخية هي أكبر من اليمن الحالي بثلاث مرات، حيث تبلغ مساحتها الإجمالية مليون و600 ألف كلم مربع، وتشمل منطقة الربع الخالي التي تبلغ مساحتها 700 ألف كلم مربع. وحدودها الحجاز ونجد وقطر والخليج العربي شمالاً، وخليج عدن جنوباً، وخليج عُمان شرقاً والبحر الأحمر غرباً[10] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn10). والفارق الكبير بين اليمن السياسي واليمن الطبيعي، هو من المميزات الجيوبوليتيكية المحتملة، بمعنى أن المجال الحيوي البشري لليمن يتخطى الحدود الرسمية الموروثة عن فترة الاستعمار في الجنوب، أو تلك حدّدتها النزاعات السابقة مع السعودية شمالاً، رغم اتفاق جدة بين اليمن والسعودية عام 2000 والذي وضع حداً للنزاع التاريخي بينهما. فثمة تداخل قبلي على جانبي الحدود، كما أن هناك مناطق يمنية احتلها الجيش السعودي في فترة تأسيس الدولة السعودية الحالية، مثل عسير ونجران، ما يعني وجود امتداد بشري مهم داخل المجتمع السعودي يعزّزه العمال اليمنيون والذين يعدّون عادة بمئات الآلاف. وإلى ذلك، يبلغ سكان اليمن حوالى 23,822 مليون نسمة حسب تقديرات تموز (يوليو) عام 2009[11] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn11)، حيث معدل نمو السكان 3,46% ومعدل الخصوبة 6,41 لكل امرأة. ومن المتوقع أن يزيد العدد 50% بحلول عام 2025[12] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn12)، وهو ما يضاعف الثقل الديمغرافي لليمن في جزيرة العرب، بمقابل العدد الإجمالي لسكان مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسه السعودية، حيث تؤكد بعض الدراسات أن عدد سكان السعودية يبلغ حالياً 28,686مليون نسمة حسب إحصاء تموز (يوليو) عام 2009 منهم نحو 5,576 ملايين أجنبي غير سعودي[13] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn13). ويتزايد عدد سكان السعودية سنوياً بنسبة تبلغ 1.848%بالمائة تقريباً، وتتوقع تلك الدراسات، بأن يصل عدد السكان القاطنين في السعودية في عام 2025 إلى حوالي أربعين مليون نسمة.
70% من سكان اليمن من أهل السنة والبقية شيعة زيدية مع بضعة آلاف من الإسماعيلية، حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحريات الدينية في العالم لعام 2006[14] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn14). ويتركز الزيدية في القسم الشمالي الجبلي وصولاً إلى الحدود السعودية اليمنية، فيما ينتشر أهل السنة في المناطق المنخفضة والسهول الساحلية، جنوباً وغرباً وشرقاً، على وجه الخصوص، وهو ما يحكم حركة أي تيار جهادي من حيث التوزيع الجيوبوليتيكي الداخلي، لا سيما وأن إيران عملت طيلة العقدين الماضيين على استرداد الزيدية كما هو دأبها مع كل الأقليات ذات الأصول الشيعية في العالم الإسلامي. وكان من نتاج هذا الجهد، تأسيس تنظيم الشباب المؤمن في صعدة وجوارها شمالاً، بقيادة حسين الحوثي ثم والده بدر الدين ثم شقيقه عبد الملك، وخوضه فترات من القتال مع السلطة بين عامي 2004 و2008، سميت بالحروب الخمسة، والآن تعيش صعدة حرباً سادسة في لحظة حرجة من عمر النظام[15] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn15).
اقتصادياً، يعتمد اليمن في 90% من موارده على النفط، لكن البنك الدولي يتوقع أن ينحسر إنتاجه ما بين عامي 2009 و2010، وأن يتوقف تماماً عام 2017[16] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn16)، ما يعني أن اليمن مع مشكلاته الداخلية والتوترات بين الشمال والجنوب، وتمرد الحوثيين الذي يتجدد بين فترة وأخرى، ومع الزيادة السكانية الكبيرة من الآن وحتى عقد ونصف العقد، يتجه لأن يكون دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، إلا إذا سعت جهات خارجية في مدّ يد العون باستمرار حتى لا يقع المحظور، لكن ومع اشتداد الأزمة المالية العالمية، فإن احتمالات توفير السيولة اللازمة تتضاءل.
سياسياً، ينبئ التاريخ الحديث لليمن، عن علاقة قلقة بين السعودية واليمن، تتراوح بين التحالف والتخالف وتصل أحياناً إلى القتال، ويمكن إضافة أسباب جيوبوليتيكية إلى الحذر المتبادل، فالموقف السعودي التقليدي يحاذر من قيام يمن قوي، أو أن ينضم اليمن إلى تكتلات إقليمية تهدّد التوازن القائم، كما أن السعودية كانت تطالب على الدوام بمنفذ بري إلى المحيط الهندي، تجنباً لمشكلات البحر الأحمر، ورفض اليمن للمطلب السعودي ليس باعتباره انتهاكاً لسيادته فقط، بل لعدم رضى اليمن عن تجاوز مضيق باب المندب. وعندما قامت الجمهورية العربية المتحدة، أواخر الخمسينات انضم إليها الإمام أحمد لفترة، وكان عبارة عن تحالف الدول الفقيرة ضد الدول الغنية. ثم انضم اليمن الموحد إلى مجلس التعاون العربي الذي أنشأه صدام حسين بعد حرب الخليج عام 1989، وضم أيضاً الأردن ومصر، وهي الدول التي ساعدت العراق خلال الحرب، وكان أيضاً تحالف الفقراء ضد الأغنياء، إذ خرج العراق منهكاً من الحرب مع إيران ورفضت دول الخليج مساعدته للخروج من أزمته، واعتبرت السعودية هذا المجلس تهديداً مباشراً لها لأن أعضاءه تحيط بها جغرافياً. وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية، عام 1991، وسقوط الاتحاد السوفياتي في العام ذاته، لم يعد ثمة مانع أمريكي من فشل الدول، بل رأى مسؤولون أمريكيون آنذاك أن الأمر لا رادّ له، وإذ ذاك حاول اليمن الجنوبي الانفصال عن صنعاء عام 1994، بدعم سعودي. لكن اليمن الشمالي أفشل المحاولة بعد ثلاثة أشهر من القتال. بعد ذلك، حرّك السعوديون قواتهم إلى عسير المتنازع عليها، وفيها آبار نفط مكتشفة ووقعت اشتباكات عدة، كما نزلت قوات أريتيرية في جزيرة حنيش الكبير، وحاولت الاستيلاء عليها، في محاولة للسيطرة الإسرائيلية على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر بأيدي أريتيرية. أخيراً، قررت السعودية حلّ النزاع بالتفاوض، لأن القتال العنيف من جانب اليمنيين الخارجين للتو من حرب ضارية، قد يُحرج العائلة الحاكمة. وفي مجتمع قبلي فإن القدرة القتالية هو أول سمات الزعامة، وإذا فشل النظام فلن يمكنه الحصول على الولاء الكامل من أتباعه، ما يعني زعزعة سيطرة آل سعود، لذلك فإن استقرار اليمن ضرورة لمصالح أمريكا وحلفائها، وإغفال اليمن يعني انهيار المنظومة الأمنية في الخليج[17] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn17).
محاور
لقد افتقد اليمن في عصور الانحطاط دوره المحوري في منطقة شرقي إفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وذلك في فترة مبكرة من التراجع الإسلامي العام، الذي استمر لقرون عدة، رغم أنه يتمتع بموقع استراتيجي مميز، يؤهله لدور جيوبوليتيكي طموح. فالحملات البرتغالية ثم البريطانية على أطراف العالم الإسلامي، أقامت قواعد ومحطات قرب الممرات الحيوية. وأسقطت أولاً المحيط الهندي، ثم جعلت من البحر الأحمر بحيرة داخلية، قبل أن يقوم الفرنسيون بحفر قناة السويس 1875، فعادت للأحمر أهميته لكن كممر للتجارة العالمية عبر المتوسط الذي صار المجال الحضاري المتقدم مع بروز أوروبا كقوة متفوقة. وهكذا، أصبح اليمن في القرن التاسع عشر جزءاً عضوياً من شبكة المصالح الإمبراطورية البريطانية، أي عدن تحديداً، وبقي الشمال معزولاً خارج العالم المتحضر. فالمعادلة كانت (عدن-قناة السويس)، وما زالت المعادلة قائمة حتى الآن، ما دام حوض البحر الأحمر في حكم الموات الجيوبوليتيكي، ابتداء من مصر التي تتحول من مكان سكن إلى مقبرة بحجم دولة، بسبب إسرائيل وبترول العرب والانقلاب الكوني لمصلحة الولايات المتحدة[18] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn18)، إلى الصومال الممزق أشلاء، ومن اليمن البائس إلى السعودية بلد الخواء الاستراتيجي، فالأردن الدولة الحاجزة المانعة، وإسرائيل بدورها المفترض، وهو حماية المصالح الغربية، أي حراسة النفط وطرق إمداداته من جهة، ومحو عناصر القوة الكامنة في البحر الأحمر وما يليه إلى المحيط الهندي.
لذلك، فإن أي مشروع جيوبوليتيكي جهادي يتخذ من اليمن ملاذاً جغرافياً آمناً لتجميع القوى، ثم قاعدة انطلاق نحو الأبعاد الاستراتيجية التي يتيحها الموقع المشرف على طرق تقاطع القوى الكبرى المتصارعة، يجب أن يراعي المعطيات الثابتة والجارية في آن، والتي راحت تشير كلها إلى أن ثقل الاقتصاد العالمي يتجه من الغرب إلى الشرق، بخطوات متسارعة، وأن المحيط الهندي ستتفاقم أهميته الاستراتيجية في السنوات المقبلة، مع نهوض الصين لحماية طرق إمدادات النفط من الخليج وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما يعني ذلك من تنافس مع اليابان والهند، وتزاحم مع القواعد والأساطيل الأمريكية التي تهيمن على المضائق عبر المحيطات.
وفيما يلي عرض للحراك الاستراتيجي الجاري بالقرب من اليمن وفي دوائره المختلفة المحاور:
أولاً: شمالاً نحو المتوسط:
إن أهمية مضيق باب المندب واليمن استطراداً فيما يخص هذا المحور، باتت مرتبطة عضوياً بالأهمية الحيوية لقناة السويس حيث طريق الشحن البحري الرئيسي بين الشمال الأوروبي والشرق الأقصى مروراً بالمنطقة العربية والقرن الإفريقي. وهو يكاد يكون الممر البحري الوحيد، بين القارات الثلاثة: أوروبا وإفريقيا وآسيا، باعتبار أن الخيار البديل هو الالتفاف حول إفريقيا أو استخدام الطرق البرية. لذلك تتضافر الجهود الأمريكية والأوروبية واليابانية والصينية والروسية والهندية لضمان أمن تلك المنطقة ضد موجة القراصنة الصوماليين الذين ينشطون في خليج عدن، ويهدّدون بحر العرب.
ولا يمكن الحديث عن البحر الأحمر باعتباره امتداداً للبحر المتوسط، دون تناول مصر، البلد المميز بموقعه، والتابع جيوبوليتيكياً الآن للمشروع الإسرائيلي الغربي، والمعزول جغرافياً بقرار سياسي استراتيجي، بعد اتفاقيات كمب ديفيد عام 1979، ما ينشر آثاره السلبية على مجمل المجال العربي الإسلامي. فرغم أن "مصر في إفريقيا موقعاً فقد كانت أبداً في آسيا وقعاً.. والانحدار التاريخي والجاذبية الجغرافية هي أساساً نحو الشمال الشرقي. إذاً البعد الآسيوي هو البعد المحوري في توجيه مصر الخارجي، وهو علاقة أخذ وعطاء من طرفين تمتاز بالاستمرار والاطراد دون ذبذبة أو تقطع. ومنذ ما قبل العالم العربي الحالي كانت لمصر علاقة حيوية مع الحلقة السعيدة، وهي تلك الحلقة من الأراضي الخصيبة أو الأكثر غنى التي تحيط بالجزيرة العربية"[19] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn19).
إن البحر الأحمر كان أحد محاور انتقال التأثيرات الحضارية من مصر إلى إفريقيا، إلى جانب النيل والصحراء الكبرى. وهو دهليز طويل يفضي بمصر إلى غرب الجزيرة العربية حتى اليمن مثلما كان طريقاً لها إلى القرن الإفريقي. وإن دور مصر نفسها في البحر الأحمر أكبر نسبياً من دورها في البحر المتوسط، بمعنى أن دولاً أخرى مطلّة عليه قامت بأدوار أكبر، لكن مصر من بين كل الدول المطلّة على البحر الأحمر هي التي قامت بأهم وأخطر دور فيه حتى قد يقال إنه بحر مصري إلى حدٍّ ما. فثقل مصر السكاني يختلف في المتوسط عنه في الأحمر اختلافاً نسبياً مؤثراً. ولعل مصر كانت القوة العسكرية الوحيدة على الإطلاق بمعنى الكلمة في البحر الأحمر طوال التاريخ. فهي بلا نزاع محور استراتيجية البحر الأساسية والحربية، والمنوط بها الدفاع عنه قبل أي أحد، وهي وإن لم تكن صاحبة أطول ساحل على الأحمر، إنما السعودية، فإنها تملك أخطر ساحل وموقع في البحر جميعاً. ولفترة طويلة منذ إسرائيل، كان يختطّ البحر في الاستراتيجية السياسية والعسكرية، وخاصة في الاستراتيجية البحرية محوران قاطعان ومتقاطعان، كسيفي المبارزة، محور إسرائيل أثيوبيا (قبل استقلال أريتريا) ومحور مصر واليمن، وكان المحور الثاني هو الأغلب، بشهادة حرب أكتوبر حين تمكنت البحرية المصرية من إغلاق البحر وحصاره فيه بحرياً بعد قفل مفتاح البحر من قطبه الشمالي إلى قطبه الجنوبي[20] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn20). لكن التدهور اللاحق بمكانة مصر بعد السلام مع إسرائيل التي اخترقت غربي الحوض لا سيما أريتريا وأثيوبيا، وإنهاك السودان ومحاولة تفتيته إلى وحدات جغرافية متنازعة، وانتشار الاضطراب في مجمل دول القرن الإفريقي تثير شكوكاً حول هوية البحر الأحمر الآن، والأقرب أنه أشبه ما يكون ببحيرة أمريكية إسرائيلية.
وإذا كانت مصر هي قلب العالم العربي كما يقال في الأدبيات القومية، وهذا القلب مريض راهناً من وجهة النظر الجيوبوليتيكية، فإن الآثار بالغة السوء على مجمل المنطقة وتوازنات القوى فيها، إن بمواجهة إسرائيل أو في وجه تمدّد إيران تحت شعارات الثورة الإسلامية ورايات آل البيت، وهذا ما يجعل مراكز الثقل تنتقل إلى الأطراف الجغرافية ذات المواقع الحساسة، وإن كانت لا تتمتع حالياً بالقدر ذاته من الثقل الديموغرافي أو الثروة الدفينة أو الإنتاج المادي.
فالبحر الأحمر مهمّ في التاريخ والسياسة والاستراتيجية، أما المتوسط فقد لا يكون أكثر من بحر قاري جغرافياً، لكنه تاريخياً بحر البحار. إنه البحر المحيط، ولا يفوقه من محيطات الأرض الحقيقية أهمية في التاريخ إلا الأطلسي وحده. وإن العلاقة بين البحرين الأحمر والمتوسط، قد لا تخلو بالضرورة من قدر من التنافس والشدّ والجذب عبر العصور المختلفة والمتعاقبة. والخلاصة أن البحر الأحمر، سيستعيد أهميته الاستراتيجية - حسب الجغرافي المصري جمال حمدان - بشروط أهمها تحرر العالم الثالث وتقدم المناطق المدارية وإفريقاسيا (المنطقة الإفريقية الآسيوية) والمحيط الهندي على المستوى الخارجي، باستثناء أن الخطر الإسرائيلي يمكن أن يحدّ كثيراً من إمكانيات انطلاق السويس[21] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn21).
وما يحدث الآن، أن طفرة اقتصادية وعسكرية يشهدها المحيط الهندي، بقيادة الصين ثم الهند، لكن المنطقة الإفريقية الآسيوية تتراجع بشكل مأساوي، بسبب السياسات التفضيلية المعطاة من النظام الدولي إلى إسرائيل، فلكي تبقى الدولة اليهودية واحة تقدم، يجب أن يبقى المحيط كله صحراء!
ثانياً: غرباً إلى القرن الإفريقي
يقابل اليمن غرباً مجال جيوبوليتيكي مهم، وهو ما يُعرف بالقرن الإفريقي الذي يعاني منذ سنوات طويلة من اضطرابات وقلاقل لا تعرف نهاية، وإذا كانت أمريكا قد سمحت لأثيوبيا باجتياح الصومال أواخر عام 2006، حتى تتولى بالنيابة عنها إزاحة المحاكم الإسلامية، فإن اللجوء إلى أحد زعماء المحاكم شيخ شريف شيخ أحمد، لإخراج أديس أبابا من الصورة، يؤكد حرج الموقف الأمريكي وعدم القدرة على التدخل المباشر، ما يزيد من أهمية اليمن كدولة مستقرة نسبياً بالمنظور الأمريكي.
يعادل القرن الإفريقي الكبير نصف مساحة الولايات المتحدة، ويضم السودان وأريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا وأوغندا، وهو المنطقة الأكثر سخونة في العالم حيث وقعت فيه الحروب الأكثر عنفاً في نصف قرن، وما تزال فيه أزمتان رئيسيتان: أزمة السودان: في الشرق (دارفور) وصولاً إلى شرقي التشاد وشمال شرقي إفريقيا الوسطى، وفي الجنوب امتداداً إلى شمالي أوغندا، حيث يتبادل السودان والدول المجاورة له دعم حركات التمرد. والثانية الصراع بين أريتيريا وأثيوبيا، والذي امتد إلى الصومال.
ورغم أنالحرب انتهت رسمياً في الجنوب، في كانون الثاني/يناير 2005، مع التوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية على أن يقرر الاستفتاء المقرر عام 2011 الوحدة أو الانفصال. لكن من المحتمل أن تعود الحرب إلى السودان لأن 80% من موارد النفط موجودة في الجنوب، وتدرّ على الحكومة 4 مليارات دولار سنوياً ولا يمكنها أن تقبل بنتيجة الاستفتاء المُفضية إلى الانفصال. أما اتفاق السلام حول دارفور فوُقِّع في أيار/مايو 2006، لكن لم يوافق عليه سوى فصيل واحد وعارضه البقية. وهذا النزاع امتد إلى التشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، وازداد الوضع صعوبة بعد اتهام الرئيس البشير بجرائم الحرب لدى المحكمة الجنائية الدولية.
أما مجموعة الأزمات الثانية فتتركز في الصومال وتتورط فيها أثيوبيا وأريتريا وشمال شرقي كينيا. إن الصومال هو البلد الوحيد في العالم الذي لا توجد فيه حكومة حقيقية منذ عام 1991، عندما أُطيح بحليف واشنطن محمد سياد بري. وقعت الحرب بين أثيوبيا والصومال ثلاث مرات بين عامي 1960 و1978. وعندما فازت أريتيريا بالاستقلال عن أثيوبيا أصبحت الأخيرة محصورة براً من دون منفذ على البحر. كانت العلاقات جيدة بين أسياس أفورقي وميليس زيناوي لكن سرعان ما اختلفا حول قضايا سياسية واقتصادية بسبب الحدود الغامضة، التي تجعل أثيوبيا في مأزق جيوبوليتيكي، انتهت إلى نشوب حرب ضارية في التسعينات، وفي عام 2000 وقّع البلدان على اتفاق سلام وعلى إحالة الخلاف الحدودي إلى لجنة دولية مستقلة قررت عام 2002 إعطاء منطقة بادمي إلى أريتيريا. فرفضت أثيوبيا ولم تنفذ التوصية فبدأت أريتيريا تغير سياساتها، وراحت تدعم جبهة التحرير الوطنية لأوغادين، وجبهة تحرير الأرومو، فيما دعمت أثيوبيا التحالف الديمقراطي الأريتيري.
وتقوم الاستراتيجية الأمريكية في القرن الإفريقي على ثلاثة أركان: الدعم غير المحدود تقريباً لحكومة أثيوبيا والتعاون الوثيق مع حكومة السودان لمكافحة الإرهاب، والاختراقات الموسمية والاستعراضية في الصومال لقتل أو اعتقال عناصر القاعدة. أما أثيوبيا فهي الحليف الأقرب إلى واشنطن في القرن الإفريقي الكبير، خلال العقد المنصرم. ورغم أن عدد المسلمين والمسيحيين يتساويان تقريباً، لكن النخبة السياسية والمثقفة كانت تاريخياً من المسيحيين، وفي عام 2001، أعلنت الولايات المتحدة أثيوبيا كحليف رئيسي في المنطقة لمكافحة الإرهاب. وهي تنظر إليه كبلد ذي أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، وبالمقابل بدأت تقلق من تصرفات أفورقي الذي يتقرب من إيران[22] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn22).
ومن أجل التحكم أفضل بالقرن الإفريقي وبطرقه البحرية وتسهيل مواجهة الإرهاب، فإن أمريكا موجودة الآن في جيبوتي المحمية التقليدية لفرنسا والتي تضم أكبر قاعدة في إفريقيا،فأنشأت عام 2002 في جيبوتي قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب وتحسين الأمن في أثيوبيا وأريتريا والسودان وكينيا والصومال واليمن والبحر الأحمر، وفي خليج عدن والمحيط الهندي. وتتطلع أيضاً إلى جزيرة سوقطرة التابعة لليمن، والتي تقع على بعد 400 كلم من السواحل اليمنية وهي ذات أهمية استراتيجية وقليلة السكان وتبدو بديلاً جيداً عن الوجود الأمريكي غير المرغوب فيه في خليج عدن بعد تدمير المدمرة كول عام 2000.
وكانت أريتريا عزّزت علاقاتها مع واشنطن حيث سمحت لها باستخدام منشآتها على سواحلها الممتدة على مسافة 1200 كلم على طول البحر الأحمر ووضعت بتصرفها ميناءي عصب ومصوع العميقي المياه إضافة إلى المطار الجديد في مصوع حيث بإمكانه استقبال أي حجم من الطائرات. كما منحتها الحق غير المحدود في الإقلاع من أراضيها وتبادل المعلومات المستقاة من الأجهزة الاستخبارية.
وتتمتع إفريقيا بموارد غير مستغلّة حتى الآن، فإضافة إلى احتياطات النفط، هناك الغاز الطبيعي التي تبلغ احتياطاته 8% من الاحتياطات العالمية المحققة، فيما يبلغ إنتاجه 5% من الإنتاج العالمي. ويأتي 15 % من استيراد أمريكا للنفط من بلدان إفريقية، ويجب أن ترتفع النسبة إلى 25% خلال العقد القادم مع توقعات العثور على آبار جديدة، وبالنظر إلى انخفاض النفط من بحر الشمال. وعليه، ستكون إفريقيا المورد المتزايد الأهمية للنفط والغاز الطبيعي. وتعتبر نيجيريا وأنغولا من بين البلدان العشرة الأولى التي تصدّر النفط إلى أمريكا. وتتراوح الاحتياطات المقدرة من مصدر إلى آخر، لكن أغلب التقديرات تشير إلى أنها تمثّل ما بين 7 إلى 9% من الاحتياطات العالمية، أي من 80 إلى 100 مليار برميل[23] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn23).
ثالثاً: جنوباً إلى المحيط الهندي
يؤكد الباحث البلجيكي روبرت ستيوكيرس (Robert steuckers) على الأهمية الكبرى للمحيط الهندي من أجل البناء الجيوبوليتيكي المستقبلي للأرض، ويعرّف المحيط الهندي بأنه المحيط المتوسط بين الأطلسي والهادئ، حيث يمتد بدقة في الوسط بين الساحل الشرقي لإفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ التي تقع فيها نيوزلندة وأستراليا وغينيا الجديدة وأندونيسيا والفليبين والهند الصينية. ويعتبر أن السيطرة البحرية على المحيط الهندي تمثل الموقع الأهم للتأثير الجيوبوليتيكي على أهم الآماد الكبرى الثلاثة دفعة واحدة، إفريقيا والحزام الأوراسي الجنوبي ومنطقة الهادئ. وعلى هذا، تنبثق الأفضلية الاستراتيجية لعدد من الجزر الصغيرة في المحيط الهندي، وخصوصاً دييغو غارسيا الواقعة على بعد واحد من جميع المناطق الساحلية.
إن المحيط الهندي هو تلك المنطقة التي يجب أن تتركز عليها الاستراتيجية الأوروبية، فمن خلالها يمكن لأوروبا أن تؤثر على الولايات المتحدة وعلى الأوراسيا وعلى اليابان، والمواجهة الجيوبوليتيكية الحاسمة التي ستحدّد لوحة المستقبل في القون الواحد والعشرين ستجري في هذه البقعة دون سواها[24] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn24).
وتطبيقاً لهذه النظرية، يرى أن تحالفاً يجمع باريس وبرلين وموسكو، هو ضروري لأسباب دفاعية، وهو خطوة أولى باتجاه مشروع أكبر، لاستيعاب إيران والهند والصين واليابان، وأن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته إدارة بوش هدفه هو تصريف الصناعات، وإن محاولة استهداف إيران لا ترضي روسيا ولا الصين، لأن ضرب إيران يؤدي إلى تعديل جيواستراتيجي يقلّص المجالات البرية أمامهما ويحرمهما من منفذ على المحيط الهندي وهو هدف كل الفتوحات الإمبراطورية منذ العصور القديمة[25] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn25).
على مستوى آخر، ثمة اصطدام في المصالح بين الصين والهند من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، للوصول إلى المادة الأكثر حيوية اقتصادياً أي النفط. وهو ما سيشكّل المستقبل الاقتصادي والبيئي والجيوبوليتيكي لهذه البلدان الثلاثة والعالم أكثر من أي قضية أخرى. وإن الحفاظ على تدفق النفط الرخيص كان دائماً من الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية، وموقع أمريكا المتقدم في العالم يقوم أساساً على قدرتها تلك. لكن الصين والهند تخوضان المنافسة الحادة للحصول على حقوق التنقيب النفطي في إفريقيا وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. واستثمرت الهند أكثر من 3 مليارات دولار في مشاريع التنقيب عن النفط وأكدت أنها ستدفع ملياراً آخر سنوياً لمزيد من المكتسبات، فيما استثمرت الصين حوالي 15 مليار دولار في حقول النفط الأجنبية، ومن المتوقع أن تنفق أكثر بعشر مرات في العقد المقبل.
إن الصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة أي حوالي 6,5 مليون برميل يومياً، وسيتضاعف المعدل عام 2020. أما الهند، صاحبة ثاني اقتصاد في العالم من حيث سرعة النمو بعد الصين، فتستهلك حوالي 2,2 مليون برميل يومياً، كمثل استهلاك كوريا الجنوبية، ومن المتوقع ارتفاعه إلى 5,3 مليون برميل يوماً بحلول عام 2025[26] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn26).
وتسعى الصين القوة القارية المركزية منذ آلاف السنين لتصبح أيضاً قوة بحرية لتأمين مصالحها كقوة اقتصادية عظمى آخذة في النمو. وكل القوى العظمى عبر التاريخ أنشأوا قوة بحرية ملائمة للانفتاح على الخارج، والسيطرة على الممرات البحرية الكبرى ونقاط الارتكاز في المياه العميقة، مهما كان حجم السكان أو المدى الجغرافي الذي تحتله.
إن طموحات القوة الصينية لها علاقة بأمرين أولاً المطالبة بتايوان وعلى مستوى أوسع، تحديد نطاق المياه الإقليمية الصينية، وتحقيق هذه المطالب يرتبط بالدخول الحر إلى الفضاءات المحيطية الواسعة للمحيط الهادئ والممرات البحرية لجنوب شرقي آسيا، من شبه جزيرة الهند الصينية. وثانياً، حماية طرق الإمداد النفطي لبلد هو الثاني عالمياً من حيث استيراد النفط.
وكقوة بحرية، تحتل الصين حالياً المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وروسيا، قبل بريطانيا واليابان وفرنسا والهند وإيطاليا على التوالي. لكن للوصول إلى منابع النفط يجب دخول الأسطول الصيني إلى أعالي البحار، وفي مرحلة أولى فرض حضوره دون اعتراض بحري في غربي الخط الأخضر الممتد من ماليزيا مروراً بتايوان والفليبين، لا سيما البحرية اليابانية. وفي مرحلة تالية، ستحاول بكين الخروج من المياه القليلة العمق لبحر الصين، إلى المياه الزرقاء (العميقة)، في حوض ثانٍ ممتد من اليابان إلى أندونيسيا نحو غوام نقطة الدعم البحرية الجوية الأمريكية في الهادئ، والعائق الرئيسي أمام انتشار النفوذ الصيني الأسطول السابع الذي يحمي تايوان. وعندما تفتح الأقفال، يمكن للبحرية الصينية أن تنتقل إلى مرحلة تأمين الممرات البحرية لإمدادات النفط من جنوبي آسيا، أحدها يقود ناقلات النفط التي تحمل أقل من 100 ألف طن من إفريقيا والشرق الأوسط حتى بحر الصين عبر مضيق مالقا. وثمة ممر آخر يقود الناقلات الضخمة عبر مضائق سوند وغاسبار. والممر الثالث من أمريكا اللاتينية عبر الفيلبين. والرابع من الشرق الأدنى وإفريقيا يتعرج بين المضائق الأندونيسية، الفيلبين وغربي الهادئ قبل أن تصل الموانئ الصينية. لكن المشكلة الرئيسية تكمن في مضيق مالقا الذي يمر فيه 80% من النفط وهو خيار مزعج في أيام النزاعات، لذلك تسعى الصين إلى طرق بديلة عبر السكك الحديدية ولكنها صعبة التحقيق. وعلى هذا، تبني الصين سلسلة من القواعد الدائمة على سواحل المحيط الهندي والطرق البحرية الموصلة إلى مالقا: جزر الكوكوس في بيرمانيا وتشتاغونغ في بنغلاديش، وماراو في المالديف وغوادار في باكستان. وبانتظار ذلك، ثمة قواعد على الساحل الإفريقي منفتحة أكثر فأكثر على الاستثمارات الصينية. وتعتبر الصين أن لديها منافسيْن في المنطقة، وهما الهند واليابان. فللهند طموحات بحرية موازية ولديها أسطول في اتساع، والهدف الاستراتيجي هو جعل المحيط الهندي محيط الهنود، لذلك تنظر إلى استراتيجية القواعد الصينية وكأنه تدّخل في مجالها الخاص[27] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn27).
خاتمة
فقد اليمن الجنوبي موقعه الاستراتيجي بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الراعي السوفياتي لشيوعيي عدن، فكان المخرج هو الوحدة مع صنعاء عام 1990 بعد انفجار حرب الرفاق. لكن الوحدة أو الانفصال بين جزءي اليمن، مرتبطان بمصالح خارجية ونوازع داخلية، فإذا التقى الدعم الخارجي بميول داخلية تحرك الجنوب مجدداً، كما حدث عام 1994، حين قرر النظام الخليجي ولا سيما السعودية معاقبة صنعاء على تحالفها مع صدام في حرب الكويت، فوقعت حرب التوحيد قسراً، وانتهت بهزيمة الحزب الاشتراكي.
ولقد تعاملت السلطة اليمنية مع الجنوب كأرض مستباحة لمصالح الفئة الشمالية الحاكمة، لكن أن تتحرك القوى السياسية الجنوبية من أجل الانفصال علناً، بعد أكثر من 15 عاماً على الهزيمة، لا يمكن تفسيره فقط بنزعة داخلية تحررية. فالمطالب المعيشية أمر يمكن تفهّمه في أي بلد، لكن رفع سقف المطالب إلى حدّ الدعوة إلى الانفصال مجدداً، فهذا أمر يحتاج إلى موافقات النظام الدولي وتغطية دول إقليمية رئيسية، علماًأن ارتفاع حدة المنافسة على النفط ومواصلاته، بين القوى العظمى الراهنة والصاعدة، يزيد من أهمية اليمن الجنوبي المشرف على الممرات البحرية الدولية، مع تعاظم مؤشرات الفشل للدولة الموحدة في مقاربة الاهتزازات الأمنية والمآزق الاجتماعية. ويجب البحث عن محرّضات خارجية غير ظاهرة ومصالح واعدة وكامنة، لتفسير "الحراك الجنوبي". وكمثال، انتهت حركة التاميل الانفصالية في سريلانكا بعد تمرد دام 26 عاماً بدعم صيني ملموس، وسيكون الثمن حصول بكين على قواعد في الجزيرة[28] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn28)، إنفاذاً للقرار الاستراتيجي بتعزيز الهيمنة على الممرات البحرية الموصلة إلى منابع النفط، ولماذا لا يكون لمصالح ورهانات القوى الكبرى المتنافسة دور في تشجيع الانفصاليين الجدد في اليمن؟
وفي هذا السياق الذي يزداد اتضاحاً، ما هو الموقف الاستراتيجي للتيار الجهادي من أي حرب انفصالية جديدة؟ فهل تنضم قاعدة الجهاد إلى الجنوبيين ضد صنعاء في خط معاكس تماماً لما جرى عام 1994، حين دعم التيار الإسلامي عامة والجهادي خاصة، حرب الشمال على الجنوب؟ أم يقف الجهاديون على الحياد في هذه المعركة التي لن توفر أي يمني من شراراتها؟ أم تكتفي القاعدة بالاستفادة من حال الفوضى لتعزيز نواة الجهاد في الجنوب وصولاً إلى الشمال؟ إن تنظيم القاعدة بات عنصراً ضرورياً في أي نزاع مستقبلي، سواء في الشمال أو الجنوب، فهو عامل مستقل وهدفه مختلف جذرياً، وإن كان قد يلتقي في مرحلة أولى مع سلفيي الشمال ضد الحركة الحوثية، ومع الحراكيين في الجنوب ضد مظالم صنعاء، لكنه لن يكون الملاذ الآمن للسلطة المتهاوية والمستنزَفة في حروبها مع الحوثيين، ولن يكون عوناً لسقوط اليمن الجنوبي في لعبة المصالح الدولية، ما يعني أن اليمن لن يكون فقط قاعدة آمنة للقاعدة، بل ساحة جديدة شديدة التعقيد، تتطلب قراءة شمولية ودقيقة، قبل اتخاذ قرارات استراتيجية في هذا الاتجاه أو ذاك.
بالمقابل، تتحرك استراتيجية التطويق الإيرانية في أقصى الشمال، وهي ذات وجهين، الأول عَقَدي يهدف إلى كسب ولاء ما أمكن من الأقلية الزيدية وجرّها إلى المنظومة الإمامية، كما يجري في أماكن مختلفة من العالم العربي، والثاني سيناريو الخرق الجنوبي للجزيرة من خلال العامل اليمني المنتشر ديموغرافياً في العمق، وصولاً إلى مكة والمدينة، وهو ما يندرج ضمن الاستراتيجية الإيرانية المعروفة بالسيطرة على زمام العالم الإسلامي من خلال الاندساس التدريجي داخل مركز الثقل الرمزي والمعنوي الإسلامي.
ولما كانت الحركة السلفية الناشطة في اليمن، تشكل عائقاً مهماً في الشمال أمام تمدّد الحوثيين، فإن الصدام حتمي بين الطرفين، بغض النظر عن دور الجيش والقوى الأمنية، بل يمكن رصد محاولات السلطة لإدخال القبائل السنية طرفاً في الصراع، استخداماً لأدوات التحريض، بعدما أنهكت حروب الحوثيين السلطة مادياً ومعنوياً. وفي هذه المنازلة أيضاً، يبدو التيار الجهادي أمام معطى ميداني وسياسي من نوع جديد، فهل يدخل المعركة ضد الحوثيين لحساب صنعاء كما فعل إبان حرب الوحدة عام 1994 ضد الحزب الاشتراكي، أم يتخذ قرار الوقوف جانباً فلا يتدخل إلا لدى الحاجة، مع استكمال عناصر المعركة الرئيسية؟
وأخيراً، إن سيناريو العراق يتكرر بصورة مختلفة في اليمن، والحسابات القبلية والجهوية والمذهبية ستكون عوامل متداخلة في سير الأمور وتطورها، ما يجعل لزاماً على جهاديي اليمن، أن يقرأوا جيداً تجارب أفغانستان والعراق والصومال، وخصوصاً مع وجود تيارات إسلامية حركية وسلفية، وشخصيات دعوية لها وزنها الكبير في الشارع السني، ولكل منها اجتهاداتها وتحالفاتها وبرامج عملها وأساليبها مختلفة.
[1] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref1) - أنظر مقابلة النائب حميد الأحمر مع قناة الجزيرة، وفيها يذكر دعم صالح تنظيم "الشباب المؤمن" الحوثي في صعدة بداية الأمر لإحداث توازن مع الأطراف الأخرى، ثم امتناع الجيش عن حسم المعركة مع الحوثيين بأوامر عليا، خلال الحروب الخمسة السابقة كلما وصلت إلى نقطة حرجة، وهذا رابط الحوار: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B...93EF20A.htm#L4 (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B84C7C27-D3E8-40B9-8360-3D32893EF20A.htm#L4)
[2] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref2)- اقرأ مقال: الحوثية من إيران إلىحيدان، من منتدى مأرب برس، وهذا الرابط: http://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=3793
[3] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref3) - هذا رابط الحديث الصوتي لأبي بصير الوحيشي أمير تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب: http://www.youtube.com/watch?v=ebJgQM5zTd0 (http://www.youtube.com/watch?v=ebJgQM5zTd0)
والكلمة مفرغة على الرابط التالي: http://www.al-faloja.info/vb/showthr...E6%CD%ED%D4%ED (http://www.al-faloja.info/vb/showthread.php?t=62318&highlight=%C8%D5%ED%D1+%C7%E1%E6%CD%ED%D4%ED)
[4] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref4) - جمال حمدان، صفحات من أوراقه الخاصة، مذكرات في الجغرافيا السياسية، دار الغد العربي، الطبعة الأولى، 1996، ص 96.
[5] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref5) - جمال حمدان، استراتيجية التحرير والاستعمار، كتاب الهلال، شباط/فبراير 1999، ص 265.
[6] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref6) - المرجع نفسه، ص 266.
[7] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref7) - جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، عالم الكتب (القاهرة)، 1990، ص 23.
[8] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref8)-Global Trends 2025:A Transformed World, National intelligence council, 41-42.
[9] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref9)-YEMEN AND STABILITY IN THE PERSIAN GULF:CONFRONTING THE THREAT FROM WITHIN, Stephen C. Pelletiere, May 22, 1996, p.12.
[10] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref10) - حسين بن علي الويسي، اليمن الكبرى، كتاب جغرافي جيولوجي تاريخي، مكتبة الإرشاد (صنعاء)، الطبعة الثانية، 1991، ص 19-21.
[11] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref11)-CIA - The World Factbook, https://www.cia.gov/library/publicat...k/geos/ym.html (https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/ym.html)
[12] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref12) - للمزيد افتح هذا الرابط عن التطور الديموغرافي في اليمن: http://www.isn.ethz.ch/isn/Current-A...e-Study-Yemen/ (http://www.isn.ethz.ch/isn/Current-Affairs/Special-Reports/Demography-and-Development/Case-Study-Yemen/)
[13] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref13)-https://www.cia.gov/library/publications/the-world- (https://www.cia.gov/library/publications/the-world-)actbook/geos/sa.html
[14] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref14)-http://www.state.gov/g/drl/rls/irf/2006/71436.htm
[15] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref15) - للحصول على معلومات تفصيلية عن محافظة صعدة، افتح هذا الرابط: http://www.yemen-nic.info/*******s/B...rase_id=611397 (http://www.yemen-nic.info/*******s/Brief/detail.php?ID=7634&phrase_id=611397)
[16] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref16)- http://en.wikipedia.org/wiki/Economy...en#Oil_and_gas (http://en.wikipedia.org/wiki/Economy_of_Yemen#Oil_and_gas)
[17] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref17)-YEMEN AND STABILITY IN THE PERSIAN GULF:CONFRONTING THE THREAT FROM WITHIN. p.25-14.
[18] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref18) - مذكرات في الجغرافيا السياسية، ص 34.
[19] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref19) - جمال حمدان، تعدد الأبعاد والجوانب، مكتبة مدبولي، ص 21 و23 و29.
[20] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref20) - نحن وأبعادنا الأربعة، ص 14 و128و132و133 و134 و135.
[21] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref21) - نحن وأبعادنا الأربعة، ص 128-131.
[22] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref22)-Blowing the horn, John Prendergast and Colin Thomas-Jensen, From Foreign Affairs, March/April 2007.
[23] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref23)-Geopolitique de l'Afrique. Le retour de Washington sur le continent africain,Tanguy Struye de Swielande, Diplomatie Magazine, n°12 ( janvier-février 2005, pp.32-34).
[24] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref24) - الكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004، ص 190.
[25] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref25)-ALLIANCE, Pour une Grande Alliance eurasienne et ibéro-américaine, 17.06.2007.
[26] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref26)-Economy and Great Power Rivalry: The challenge to U.S. Global Dominance Shifts and Faultlines: What Is Happening and What It Might Mean , by Raymond Lotta,Global Research, August 5, 2008.
[27] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref27)-La Chine affirme ses ambitions navales, Olivier Zajec,Le Monde diplomatique, Septembre 2008.
[28] (http://www.al-faloja.info/vb/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref28) - اقرأ مقال عبد الله المدني: الدور الصيني في هزيمة تاميل سريلانكا، http://abdallahalmadani.blogunited.org/?p=121